
الخروج من العتمه
أول ما خرجت من السجن، جريت على بيت أبويا.. وهناك عرفت إن الحقيقة كانت مدفونة في مكان تاني خالص.
أول نَفَس حرية مكنش طعمه حرية بجد. كان طعمه عوادم أتوبيسات وقهوة رخيصة، وكأن العالم كمل طريقه ومنتظرنيش. خرجت من بوابة السجن ومعايا كيس بلاستيك فيه كل ممتلكاتي قميصين، كتاب قديم، وسكوت رهيب بتجمعه بعد سنين من القهر وإن كلامك ملوش قيمة.
بس مكنتش بفكر في اللي فات، مكنش في بالي غير حاجة واحدة.. أبويا.
طول ليالي السجن، كنت بتخيله في نفس مكانه قاعد على كرسيه القديم جنب الشباك، ونور الوناسة ضارب في ملامح وشه اللي حافظها. في خيالي، كان دايماً مستنيني، دايماً عايش، وماسك في إيده نسخة إيلي القديمة.. اللي كانت موجودة قبل المحاكم والمنشيتات وقبل ما العالم يقرر إني مذنب.
موقفتش آكل، مكلمتش حد، حتى الورقة اللي فيها عنوان مكتب التأهيل مبصتش فيها. رحت على البيت عدل.. أو اللي كنت فاكر إنه بيتي.
الأتوبيس نزلني بعيد تلات شوارع. جريت المسافة الباقية ونفسي مقطوع وقلبي بيدق كأنه بيعوض سنين الضياع. الشارع كان لسه زي ما هو.. الشجر، الرصيف المكسر. بس كل ما أقرب، كنت بحس إن فيه حاجة غلط.
سور البلكونة مكانه، بس الدهان جديد. الزرع متغير. فيه عربيات جديدة وشيك مركونة قدام البيت، وكأن البيت بقى ملك لحياة تانية أنا معزومتش فيها.
هديت خطوتي، وطلعت السلم.
الباب مكنش لونه كحلي زي ما أبويا اختاره عشان بيستحمل التراب. بقى لونه رمادي غامق غالي. ومكان الدواسة القديمة الخشنة، كانت فيه واحدة تانية مكتوب عليها بشياكة Home Sweet Home.
خبطت برضه.
مخبطتش بذوق، ولا بحذر.
خبطت خبطة ابن كان بيعد الأياموالثواني، خبطة حد ليه حق في المكان ده.
الباب اتفتح، والدفا اللي كنت متخيله مطلعش في وشي.
لقيت ليندا قدامي.. مرات أبويا.
شعرها كان متظبط كأنها لسه جاية من الكوافير، ولبسها غالي ومهندم. وعينيها الحادة بصت لي من فوق لتحت كأني مشكلة وصلت في ميعادها.
للحظة، افتكرت إنها ممكن تتهز، أو تحن، أو حتى تتفاجئ.
بس ملامحها فضلت باردة زي ما هي.
قالت ببرود خرجت يعني. كأنها بتقرأ حالة الطقس.
قلت وصوتي طالع غريب وعالي في هدوء المكان فين بابا؟
شفايف ليندا اتلمت بضيق وقالت بمنتهى الهدوء والقسوة أبوك اتدفن من سنة.
الكلمة منزلتش صح على وداني.. مدفون؟ من سنة؟
الجملة مكنش ليها معنى، وكأنها بتتكلم لغة تانية. عقلي رفض يصدق. فضلت مستني تقول إنها بتهزر، إنها غلطانة، أي حاجة.
بس ليندا مرمشتش حتى.
زودت وقالت إحنا اللي عايشين هنا دلوقتي.. ف ياريت تمشي.
ريقي نشف أنا.. طب ليه محدش بلغني؟
ليندا ابتسمت نص ابتسامة فيها تشفي كنت في السجن.. كنا هنعملك إيه؟ نبعتلك كارت عزاء؟
بصيت وراها، الصالة متغيرة. الصور، العفش، كل حاجة. مفيش أي أثر لأبويا. لا جاكيت الصيد بتاعه، ولا جزمته، ولا حتى ريحة القهوة والليمون اللي كان بيحب ينظف بيهم البيت.
كأن أبويا اتمسح من الوجود.
وليندا كانت هي اللي ماسكة الأستيكة وواقفة على الباب.
قلت وصوتي بيتشرخ عايز أشوفه.. محتاج
قاطعتني مفيش حاجة تتشاف.. الموضوع خلص.
وقبل ما أنطق كلمة تانية، قفلت الباب.
مخبطتوش بعنف.. قفلته بالراحة، وبقصد، كأنها بتنهي حكاية كانت زهقانة منها.
فضلت واقف باصص للباب وإيدي لسه مرفوعة كأني هخبط، وجسمي لسه مش مستوعب الصدمة.
سنة كاملة.. أبويا ميت بقاله سنة.
وأنا بعرف الخبر وأنا واقف على الباب كأني غريب.
مشيت وأنا مش حاسس برجلي، الشارع كان بيميل بيا. مشيت لحد ما وصلت للمكان الوحيد اللي كان له معنى دلوقتي.
المدافن.
القبر اللي ملوش وجود
المدافن كانت ورا صف شجر سرو طويل وكئيب. فتحت البوابة الحديد وهي بتزيّق. مكنش معايا ورد، مكنش معايا خطة، كنت بس محتاج علامة.. حجر، شاهد قبر، أي دليل.
رحت ناحية المكتب، بس فيه صوت وقفني.
يا أستاذ.
لفيت لقيت راجل عجوز لابس جاكيت قديم وجوانتي شغل. كان باين عليه إنه تربي والمكان ده ملعبه.
سألني بتدور على حد؟
قلت له أبويا.. عايز أوصل لقبره.
الراجل بص لي شوية، وهز رأسه وقال بصوت واطي ماتدورش.
قلبي سقط في رجلي يعني إيه ماتدورش؟
قال لي هو مش هنا.
حسيت بمعدتي بتتقلب مش ممكن! مرات أبويا قالت
قاطعني بهدوء عارف هي قالت إيه.. بس هو مش هنا.
بصيت له بحيرة أنت مين؟
الراجل اتنهد كأنه كان مستني اليوم ده اسمي هارولد، شغال هنا بقالي 23 سنة.
طلع من جيبه ظرف بني صغير، أطرافه كانت دايبة وكأنه اتمسك كتير.
مدهولي وقاله أبوك قالي أديك ده.. لو جيت وسألت في يوم.
إيدي نملت وأنا بمدها وهو عرف منين إني
هارولد بص لي بثبات أبوك كان بيخطط.
أخدت الظرف وكأنه نار هتحرق صوابعي. كان تقيل، جوه فيه حاجة ناشفة.. مفتاح.
فتحت الظرف بإيد بتترعش. طلعت رسالة مطوية، ومعاها كارت بلاستيك صغير ملزوق عليه مفتاح حديد. الكارت مكتوب عليه بخط إيد أبويا اللي ميتغلطش فيه
مخزن 108 وستريدج للتخزين
صدري ضاق لدرجة الوجع لما شفت التاريخ اللي على الرسالة.. قبل خروجي بتلات شهور.
أبويا كتبها وهو عارف إنه هيموت، وعارف إنه مش هيكون موجود يفسر لي.
هارولد قال لي اقرأها في حتة هادية.. هو مكنش عايز حد يتفرج عليك.
قعدت على دكة بعيد في المدافن، وفتحت الورقة.
الرسالة اللي غيرت كل حاجة
الرسالة بدأت باسمي.. إيلي.
ده كان أسلوب أبويا لما يكون فيه كلام جد.
إيلي، لو بتقرأ ده، يبقى أنا خلاص مش موجود. أنا آسف إنك عرفت كده، مكنتش عايز أول يوم ليك في الحرية يبقى سجن تاني. أنا كنت تعبان بقالي كتير، ومقلتلكش عشان مأكسرش أملك. كنت عايزك تصدق إن فيه حياة مستنياك بره.
ريقي نشف وأنا بكمل
ليندا هتقولك إني اتدفنت.. سيبها تقول. أنا مش في المدافن دي لأني مكنتش عايزها تتحكم في اللي هيحصل بعد ما أمشي. هي شاطرة في تزييف الحكايات يا إيلي.. وأنت عارف ده.
وبعدين السطور اللي جاية كانت زي اللطمة
أنا مجتش زرتك، وعارف إن الوجع ده هيفضل في قلبك زي الحجر. بس اسمعني ده مكنش عشان بطلت أحبك. أنا كنت خايف.. كنت مكسوف.. وكنت متراقب في بيتي.
جسمي قشعر.. متراقب؟
أبويا كمل فيه حاجات أنت متعرفهاش عن السبب اللي دخلك السجن. حاجات أنا مفهمتهاش غير بعد فوات الأوان. حاولت أصلحها في صمت لأني مكنتش قادر على الحرب، ولأني كنت خايف أخسر الشوية اللي فاضلين لي من سلام نفسي.
وبعدين الجملة اللي خلتني أقطع النَفَس
كل حاجة محتاجهاالحقيقة، الورق، الدليلموجودة في المخزن 108. روح هناك الأول. إياك تواجه ليندا قبل ما تروح. لو عرفوا، كل الدليل هيختفي.
وفي الآخر كتب أنا آسف إني استنيت.. أنا بحبك. أبوك.
فضلت قاعد مكاني والورقة في إيدي، والريح بتصفر حواليا. أبويا كان بيجهز لحاجة كبيرة، حاجة تخليه مبيأمنش لمراته، وحاجة تخليه يزيّف دفنته عشان يحميني.
صحيت جوايا حالة من الوضوح.. مش غضب، لا، فهم.
المخزن 108
رحت





