قصص قصيرة

ثلاثة أشهر في حمّام المدرسة… بينما الجميع يظنّه طالبًا عاديًا

صوتًا فاضطرّ للاختباء سريعًا.
وفي كلّ مرّة، كان ينجو
لكن نجاته لم تكن راحة، بل عبئًا جديدًا يجعله أكثر حذرًا، وأكثر صمتًا، وأكثر وحدة.
حتى جاء ذلك اليوم.
يومٌ لم يكن مختلفًا في بدايته، لكنه كان مختلفًا في نهايته.
تفصيلٌ صغير
لحظة عابرة
صورة التُقطت دون انتباه
لكنها كانت كافية.
كافية لأن تهدم كلّ ما بناه من صمت، وكلّ ما أخفاه طوال ثلاثة أشهر.
وفجأة، لم يعد بإمكانه الاختباء.
السرّ الذي عاش به، وتعايش معه، وصار جزءًا من يومه بات على وشك أن يُكشف أمام الجميع.
وفي لحظة واحدة، تحوّل من ذلك الطالب الصامت الذي لا يكاد يُسمَع صوته، إلى شخصٍ سيتوجّب عليه أن يُسمَع، لا لأنّه أراد ذلك، بل لأن الحقيقة لم تعد تقبل الإخفاء.
ذلك الصوت الذي لم يلتفت إليه أحد يومًا
سيُجبِر الجميع الآن على الإصغاء.
..
خلال ثلاثة أشهر كاملة، تحوّل حمّام مبنى الصف العاشر إلى قصرٍ سريٍّ خاص بسليم، عالمٍ ضيّق لكنه منظم بعناية شديدة، حيث صار لكل مقصورة فيه غرض محدد يحكي جزءًا من حياته.
في المقصورة الأولى علّق زيه المدرسي القديم بعناية، كأنما يحافظ على ما تبقّى من كرامته.
وفي الثانية رتّب كتبه القليلة، يضمّها إليه ككنزٍ لا يُقدّر بثمن.
أما الثالثةالأبعد والأكثر خفاءًفكانت مأواه الحقيقي، حيث ينام متكوّرًا فوق طبقات من الكرتون، يحاول عبثًا أن يمنع برد الأسمنت من التسلل إلى عظامه، بينما الليل يمرّ بطيئًا وثقيلًا عليه، كأنه يختبر صموده كل مرة.
كان يستيقظ قبل الجميع، يغسل وجهه بالماء البارد، وينظر إلى انعكاسه في المرآة المکسورة، يتأكد أنه لا يزال طالبًا مثلهم، لا مجرد شبحٍ يعيش في الظل.
ثم يخرج بهدوء، كأن شيئًا لم يكن، يختلط بالطلاب، يضحك أحيانًا، ويصمت كثيرًا، يخفي قصته خلف عيونٍ بدت دائمًا طبيعية، لكنها كانت تحمل ما هو أثقل من عمره.
لكن تلك الليلة لم تكن كأي ليلة.
جاءت ليلة التخرّج، وامتلأت القاعة بأولياء الأمور، بملابسهم الأنيقة، وعطورهم التي تعبق برائحة الفخر، وبالطلاب الذين تلمع أعينهم بأحلامٍ كبيرة، يلتقطون الصور ويعانقون عائلاتهم.
كانت الزهور في كل مكان، وكأنها تحتفل بانتصارات صغيرة وكبيرة لا تُرى كلها.
وسط هذا المشهد، كان سليم يقف في الخلف، بعيدًا قليلًا عن الأضواء، يعدّل ملابس التي استعارها، والتي بدت أوسع من جسده النحيل، كأنها لا تنتمي إليه تمامًا، لكنه حاول أن يقف بثبات، أن يبدو وكأنه ينتمي.
كان ينظر حوله في صمت، يراقب الآباء وهم يربتون على أكتاف أبنائهم، والأمهات يمسحن دموع الفرح، فتتسلل إلى صدره غصة حاول أن يبتلعها سريعًا.
لم يكن لديه أحد يصفق له، ولا من ينتظره بعد الحفل، ومع ذلك، كان هنا صامدًا حتى النهاية.
وحين بدأت المراسم، صعد المدير إلى المنصة، وعمّ الصمت تدريجيًا حتى خيّم على القاعة بالكامل، كأن الجميع يستعد لسماع شيءٍ أكبر من مجرد كلمات تهنئة.
قال بصوتٍ ثابت، لكنه يحمل ثقلًا خفيًا
في

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى