
ورث ابويا
ضغطت على إيد أبويا اللي بردت، وظوافري علمت في كفي من القهر.
أنا اللي شيلت كل حاجة.. تصاريح الدفن، القبر، الكفن، صوان العزا.
أخويا قالي في التليفون: “بلاش بهرجة في العزا، ملوش لزمة المصاريف دي.” وما دفعش مليم.
أختي قالت: “يا حبيبي الدنيا عندي ملخبطة، خلص أنت وأنا هبقى أشوفك.” وما ساهمتش بقرش.
يوم الدفنة، أمي كانت واقفة في الصوان بتبص للناس اللي جاية تعزي، وقالت لي بكلمة واحدة: “يا وائل، أخوك وأختك ظروفهم صعبة، شيل أنت الليلة.”
كنت شايل صورة أبويا ومش قادر أنطق.
“شيل أنت”.. الكلمتين دول هما اللي لخصوا حياتي معاهم.
العزا والجنازة كلفوني 47 ألف جنيه، كلهم من شقايا وتدبيري.
كتبت كل مليم في نوتة صغيرة، مش عشان أشحــ,تهم منهم، بس عشان خايف يجي يوم وينكروا وقفتي.
وفعلاً، يوم الميراث، محدش جاب سيرة الـ 47 ألف دول نهائي.
المنظر ده عمري ما هنساه.
أعمامي وعماتي، وأمي، وإحنا التلاتة.
أمي قعدت على الكنبة الكبيرة، وقدامها علبة صفيح قديمة فيها عقود البيت، ورخص العربية، ودفاتر التوفير، وعلبة فيها غوايش.
أخويا قعد عن يمينها ومراته جنبه بتوشوشه.
أختي قعدت عن شمالها وجوزها واقف وراها، عينه هتطلع على اللي في العلبة.
وأنا كنت قاعد في أبعد كرسي في الصالة.
أمي بدأت: “أبوكم اتكل على الله، وحقه يتقسم بالعدل.”
بصت لمحمد، وبعدين لمنى.. ومبصتليش خالص.
”الشــ,قة..” طلعت عقد الشــ,قة.
“أخوك متغرب في المنصورة وبيدفع إيجار وشــ,قته ضيقة، الشــ,قة دي من حقه.”
مسكت نفسي ومطقتش. دي شقــ,تنا اللي كبرنا فيها، تلات أوض وصالة في منطقة حيوية، تساوي لها مليون جنيه على الأقل.
أخويا هز رأسه بسرعة: “ماشي
يا أمي.”
”العربية..” طلعت الرخصة.
“أختك بتتبهدل في المواصلات كل يوم وهي رايحة الشغل، العربية دي ليها.”
العربية اللي أبويا جايبها من تلات سنين، كانت لسه بحالتها.
أختي قالت: “تسلميلي يا ست الكل.”
”دفاتر التوفير..” طلعت دفترين.
“واحد فيه 30 ألف، وواحد فيه 50 ألف.
الـ 30 لأخوك يسند بيهم نفسه، والـ 50 لأختك عشان تجدد عفش بيتها.”
كنت هفتح بوقي أتكلم..
المجموع كان دخل في سكة المليون وشوية.
أمي كملت وادت الغوايش لأختي: “دول دهب ستي، خليهم ليكي.”
أختي عينيها لمعت، دهب ميقلش عن 30-40 ألف جنيه.
طول القاعدة، محدش سألني: “وأنت يا وائل؟”
في الآخر أمي بصت للصالة الفاضية وقالت: “والباقي..”
عينها وقعت على الدولاب المركون في الزاوية.
“الدولاب ده، حد عايزه؟”
محدش رد.
مرات أخويا ضحكت: “يا طنط ده كراكيب، ده يخلي شكل الشــ,قة وحش أوي.”
أختي قالت: “بيتي ملهوش مكان لحاجة بالحجم
ده.”
أمي بصت لي: “يا وائل، أنت محتاج دولاب في شقـ,تك الإيجار؟”
بصيت للدولاب الأحمر المقشر ده.. ده اللي أبويا كان بيشيل فيه لبسه، ومفكّاته، والجرايد اللي مخلصش قرايتها.
قلت: “ماشي.. هاخده.”
مرات أخويا انفجرت في الضحك: “بقى طالع من ورث أبوك بدولاب مكسر؟”
بصت لي بتريقة: “بس لايق عليك، أنت عايش لوحدك وده يقضي غرضك.”
عمي الكبير كرمش وشه وكان هيتكلم، بس أمي قطعت عليه:
“خلاص، اتفقنا. إحنا أهل، ومحدش يحاسب التاني.”
”محدش يحاسب التاني”..
مليون جنيه اتوزعوا يمين وشمال، وأنا نصيبي خشب قديم.
قمت وقفت ورحت للدولاب.
وطيت وشيلت قالبي الطوب اللي ساندينه.
الدولاب مال شوية، فسنته بكتفي.
قلت: “أنا هنقله دلوقتي.”
محدش قام يساعدني.
عمي الصغير صعبت عليه نفسه وقام مسك معايا طرف الدولاب لغاية ما نزلناه للعربية النص نقل اللي طلبتها.
وأنا بنزله، كان أخويا قاعد بيشرب شاي بالياسمين.





