قصص قصيرة

ضحك في قاعة المحكمة… وبعد دقائق دخلت أمّها فانهار كل شيء أمام القاضي

عينين زرقاوين جليديتين اخترقتا القاعة عينان واجهتا شيوخا ورؤساء تنفيذيين وأمراء حرب.
خلفها ثلاثة مساعدين شبان يحملون حقائب جلدية سميكة يسيرون بتشكيل على هيئة حرف V كطائرات مرافقة لقاذفة.
لم تتعجل. سارت في الممر الأوسط ونقر كعبيها كنبض يعد تنازليا لما تبقى من وقت كيث على هذه الأرض.
سقط قلم غاريسون فورد. انفتح فمه قليلا. شحب وجهه المتغطرس عادة.
همس بارتجاف حقيقي لا هذا مستحيل.
سأل كيث مرتبكا من هذه هل هي أمها قالت غريس إن أمها ماتت.
تمتم قالت إنها يتيمة.
وصلت المرأة إلى طاولة الدفاع. لم تنظر إلي. لم تنظر إلى القاضي. استدارت ببطء ونظرت مباشرة إلى كيث سيمونز. ابتسمت ابتسامة ليست لطيفة بل ابتسامة قرش قبل أن يسحب فريسته إلى الأعماق.
قالت بصوت ناعم مثقف يصل إلى كل زاوية دون مكبر آسفة على التأخير. كان علي تقديم بعض الطلبات إلى المحكمة العليا بشأن أموالك السيد سيمونز. استغرق حصر حساباتك الخارجية وقتا أطول.
تجمد كيث.
انحنى القاضي للأمام متسع العينين المحامية عرفي بنفسك للسجل.
وضعت بطاقة عمل مذهبة على مكتب كاتبة الجلسة ثم التفتت إلى القاضي كاثرين بينيت. الشريك الإداري الأول في مكتب بينيت كراون وستيرلنغ بواشنطن العاصمة. أسجل حضوري كمحامية للمدعى عليها.
توقفت ثم نظرت إلى كيث وأضافت وأنا أيضا أمها.
كان الصمت الذي تلا تعريف كاثرين مطبقا صمت ما بعد الانفجار.
تلعثم كيث أمها غريس قلت قلت إنها رحلت.
نظرت أخيرا ورفعت رأسي ودموعي تلمع قلت إنها رحلت عن حياتي يا كيث. لم أقل إنها ماتت. كنا متخاصمتين. حتى أمس.
كررت كاثرين الكلمة متخاصمتين. ثم جلست بجانبي وفتحت حقيبة ثقيلة. غادرت غريس المنزل قبل عشرين عاما هربا من ضغط عالمي.أرادت حياة بسيطة. أرادت أن تحب لذاتها لا لاسم بينيت.
ثم التفتت إلى غاريسون الذي حاول أن يصغر في مقعده مرحبا غاريسون. لم أرك منذ دعوى اندماج أوراكل تيك عام 2015. كنت بالكاد مساعدا آنذاك أليس كذلك تجلب القهوة للمحامين الحقيقيين
تنحنح غاريسون محمر الوجه سيدة بينيت إنه شرف. لم أكن أعلم أنك مقيدة في نقابة نيويورك.
قالت دون أن تكسر النظرة أنا مقيدة في نيويورك وكاليفورنيا وواشنطن العاصمة وأمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. أتعامل عادة مع القانون الدستوري واندماجات بمليارات الدولارات. لكن عندما اتصلت بي ابنتي باكية تخبرني أن مدير تسويق متوسطا يعاني عقدة نابليون يتنمر عليها قررت أن أستثني.
صرخ كيث اعتراض! هجوم شخصي! من تظن نفسها
صاح القاضي اجلس السيد سيمونز!
قال القاضي باحترام سيدة بينيت رغم شهرتك نحن في جلسة بشأن تقسيم الأصول. السيد فورد قدم طلب حكم غيابي.
قالت نعم رأيت الطلب. لطيف. مهمل لكنه لطيف. وقدمت رزما من الوثائق. يدعي أن موكلتي بلا أصول وبلا تمثيل. هذا سقط. ويدعي أن الأصول بنتهاوس الجادة الخامسة منزل الهامبتونز ومحفظة غولدمان ساكس ملكه وحده بموجب اتفاق ما قبل الزواج.
صرخ كيث الاتفاق محكم! لا شيء لها!
قالت بهدوء هل تعلم من كتب النموذج القياسي لبند الإكراه الزوجي في ولاية نيويورك أنا. وفي إفادة ابنتي هذا الصباح هددتها بقتل قطتها وقطع تمويل دار رعاية جدتها إن لم توقع.
تعالت الهمهمات في القاعة كريح خفيفة تمر بين المقاعد ثم ما لبثت أن تحولت إلى موجة متقطعة من الصمت المشحون. كنت أسمع أنفاس الناس أكثر مما أسمع أصواتهم حتى كاتبة الجلسة توقفت للحظة كأن أصابعها نسيت الطريق إلى المفاتيح.
قالت أمي وهي تقلب صفحة أخرى بثبات لا يعرف الارتباك لدينا رسائل نصية ثم رفعت نظرها نحو كيث ببرود محسوب وأضافت مسترجعة من خادم سحابي ظننت أنك محوته. وكل رسالة منها تحمل توقيتا ورقما تسلسليا وبصمة رقمية لا تكذب ولن تنقذك منها ادعاءات انقطاع الشبكة ولا مسرحية لا أتذكر.
هنا فقط رأيت الذعر يتسرب إلى وجه غاريسون فورد. لم يعد ذلك الرجل الذي كان منذ دقائق يتحدث كأنه يملك القاعة صار يشبه من اكتشف أن الأرض تحت قدميه زجاج رقيق. لمع العرق على جبهته ثم تجمع عند صدغيه وراح يقلب الأوراق بسرعة مضطربة كأنه يبحث عن مخرج سري بين السطور.
تمتم بصوت لم يستطع أن يخفي ارتجافه كمين! هذا كمين!
رفعت أمي حاجبا واحدا كأنها تسمع كلمة سخيفة في اجتماع رسمي. ثم ضحكت ضحكة قصيرة باردة لا تحمل مرحا بل تحمل معنى واحدا انتهى وقتك. قالت وهي تميل قليلا نحو المنصة كمين لا تشك من الإنصاف يا سيد فورد. أنت من حاول أن ينتزع حكما غيابيا من امرأة جرى تجفيف مواردها عمدا. أنت من جاء إلى هنا ليكسرها لا ليحاكمها. وإذا كنت تؤمن بالمفاجآت القانونية فاليوم يومك.
ثم أغلقت ملف الرسائل بهدوء وكأن هذا الجزء مجرد فاتحة وانتقلت إلى الملف الذي يثقل الهواء بمجرد وضعه على الطاولة. ضربت الحافظة الخشبية ضربة خفيفة لكنها سمعت بوضوح لأن القاعة كانت صامتة على نحو جارح.
قالت بصوت واضح والآن إلى المال. موكل الخصم يزعم أن صافي ثروته يقارب ثمانية ملايين دولار. رقم لطيف لرجل يحب الظهور ببدلات باهظة ويكره الصدق في الاستمارات. توقفت نصف ثانية لتسمح للسخرية أن تستقر ثم تابعت لكن الحقيقة وفقا لتتبع التحويلات والشركات الوهمية والحسابات الوسيطة ليست ثمانية ملايين.
رفعت ملفا ثانيا أثخن من الأول كأنه يحمل ثقل سنوات من الخداع وقالت دون أن تتلعثم بل أربعة وعشرون مليونا. وإخفاؤها وتقديم إفادة مالية ناقصة والتلاعب بالإفصاح تحت القسم ليس خطأ إداريا كما سيزعم. إنه احتيال جنائي.
في تلك اللحظة رأيت كيث يبتلع ريقه بصعوبة. لم يعد يملك تلك الضحكة المستعلية. لم يعد يملك حتى القدرة على التحديق بثبات. انخفض كتفاه كما لو أن اسمه نفسه صار حملا ثقيلا وتراجع في مقعده ببطء كأن جسده يبحث عن طريقة للاختفاء.
التفت القاضي هندرسون إلى كيث وفي نظرته شيء يشبه الاشمئزاز الممزوج بالغضب المهني. لم يقل شيئا في البداية اكتفى بأن يرفع نظارته قليلا ويحدق في الإقرار المالي أمامه ثم يرفع رأسه لينظر إلى الرجل الذي وقع ذلك الإقرار. كان هذا النوع من الصمت أخطر من الصراخ.
حاول غاريسون أن يستعيد توازنه فوقف متصلبا وقال سيدي القاضي نحتاج إلى وقت لمراجعة هذه المستندات. هذا تدفق مفاجئ من الأدلة
قاطعته أمي دون أن ترفع صوتها وهذا هو الأشد قسوة هذه ليست أدلة مفاجئة. هذه نتائج. نتائج أفعال موكلك. وأنا لا أطلب من المحكمة أن تصدقني لأنني كاثرين بينيت بل لأن الأرقام تتكلم والتحويلات موثقة والتواقيع موجودة والأختام المصرفية لا تجامل أحدا.
قال القاضي بحدة كفى. السيد فورد أنت الذي طلبت السير الفوري. لا يمكنك أن تطلب السرعة عندما تخدمك ثم تطلب الوقت عندما تنقلب عليك. المحكمة ليست أداة في يد أحد. ثم وجه كلامه إلى أمي تابعي سيدة بينيت.
شعرت لأول مرة منذ أسابيع أن الهواء يدخل رئتي دون مقاومة. لم يكن ذلك لأن الخوف زال تماما بل لأن الخوف صار يقف في الجهة الأخرى من الطاولة.
أشارت أمي إلى فقرة محددة وقالت موكلك قدم اليوم إفادة تحت القسم. وفيها أقر بعدم امتلاك حسابات خارجية سوى ما صرح به.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى