
لسان ناعم
خرجت من المطبخ، وشي كان زي الليمونة المصرورة من القهر.
أول ما شافتني، وشها رجع “ملاك” تاني:
ـ “إيه يا نورا يا حبيبتي؟ خلصتي؟ تسلم إيدك، اطلعي بقى ريحي واغسلي إيدك بالصابونة اللي جبتها لك مخصوص
بصيت لها وقلبي بيفور، بس المرة دي مكنش عياط.. كانت نيران وبترتب لحريقة. بلعت ريقي ورسمت ابتسامة باردة على وشي وقولت لها:
ـ “من عيوني يا سحر.. ده أنا هعملك عزومة النهاردة الناس كلها “تتحاكى” بيها، بس معلش يا حبيبتي، ادخلي أنتي ريحي ضهرك شوية عشان تعرفي تستقبلي الضيوف بضحكتك الحلوة دي، وسيبيني أنا “أفرك” براحتي في المطبخ.. مانا غاوية شقا بقى!”
سحرصدقت ودخلت
الأوضة وهي بتتمايل، وأنا دخلت المطبخ وقفلت الباب ورايا.. “بقى أنا الشغالة يا سحر؟ وبكلمتين حلوين بتسوقيني؟ طيب والله لأخليكي تدفعي تمن كل “يا حبيبتي” قولتيها غش.”
مسكت علبة الملح، وكبشت كبشة محترمة ورميتها في حلة المحشي اللي رصيتها بتعب.. وفي حلة اللحمة، فضيت نص إزازة خل، والشوربة اللي المفروض ريحتها تقلب الدنيا، حطيت فيها معلقتين شطة من النوع اللي يحرق الحجر، وقلبتهم بحقد.
أما الرز.. فده كان “الحلو” بتاع العزومة. زودت له المية لحد ما بقى “عجين”، وطفيت عليه النار وسيبته يعجن في بعضه. كنت بشتغل وأنا حاسة ببرد غريب، كأني بنتقم لكرامتي اللي اتهانت وراء الباب ده.
الوقت أزف، والجرس رن.. دخل “عمر” جوزي، وأهله، وأهل سحر. سحر طلعت من الأوضة زي “الهانم”، لابسة وشياكة وريحة بارفانها سابقة خطوتها، وبدأت توزع الابتسامات:
ـ “نورتونا يا جماعة.. والله أنا تعبت النهاردة جداً في المطبخ مع نورا، بس كله يهون عشان خاطركم، يا رب الأكل يعجبكم.”
قعدوا على السفرة، وأنا كنت واقفة بعيد، مراقبة المشهد بدم بارد.
أول ما حمايا خد معلقة الشوربة، وشه قلب ألوان، وبدأ يكح لدرجة إن عينه دمعت:
ـ “إيه ده؟ دي مية نار مش شوربة! دي تحرق المصارين!
“
عمر بص لي باستغراب وخد حتة لحمة، أول ما داقها طلعها من بؤه فوراً:
ـ “إيه القرف ده يا سحر؟ اللحمة طعمها خل صافي ومملحة زي البحر! والرز.. إيه العجين ده؟ هو إيه اللي حصل في المطبخ النهاردة؟”
سحر وشها بقى زي الأموات، بصت لي برعب وهي بتقول بلجلجة:
ـ “والله يا عمر.. أنا.. أنا كنت مع نورا خطوة بخطوة.. نورا هي اللي..”
قطعت كلامها ببرود وقولت قدامهم كلهم:
ـ “معلش يا عمر، أصل سحر حبيبتي كانت “تعبانة” النهاردة وقاعدة مريحة، وأنا اللي عملت كل حاجة بكلمتينها الحلوين.. بس الظاهر “الشغالة” الشاطرة اللي بتنضف السيراميك بضوافرها، إيدها خفت النهاردة وما عرفتش تظبط الملح.. مش أنتي قولتي يا سحر إني غاوية شقا؟ أهو الشقا بان على الأكل أهو!”
عمر بص لها وبص لي، وفهم من نظرتي إن فيه حاجة اتكسرت ومستحيل تتصلح. سحر كانت واقفة وسط الضيوف اللي بيوشوشوا بعض، ووشها في الأرض من الكسوف، واللقمة اللي كانت فاكرة إنها هتذلني بيها، وقفت في زورها هي وفضحتها قدام الكل.
خرجت من البيت وأنا راسي مرفوعة، مسبتش لها فرصة تنطق حرف. نزلت الشارع، وبصيت للسما وقولت: “اللي يستقل بالناس عشان طيبين، يلبس في الحيط وهو فاكر نفسه طاير.. والدرس ده يا سحر، مش هتنسيه طول عمرك.”
تمت





