
ليلة أمس حين ضـ,ـربني ابني
أشار بيده إلى الجهة الأخرى، حيث كان بعض العمال يتحرّكون تحت الشمس الحارقة.
“انظر جيدًا.”
تبع ياسين الإشارة.
رأى رجالًا يسيرون خلف القطيع لمسافات طويلة، يدفعونه بعصيّ طويلة، يركضون حين يتشتت، وينحنون حين يتعب أحده، ثم يعودون في صمت دون أن يتوقفوا.
آخرون كانوا يحملون الماء في أوعية ثقيلة، يتنقلون بها بين الحظائر، بينما كان أحدهم يحاول تثبيت خروفٍ متمرّد، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق.
لم يكن هناك حديث…
ولا راحة…
ولا ظلّ كافٍ.
فقط حركة مستمرة… وتعب لا ينتهي.
قال عبد القادر بهدوء:
“ستستيقظ قبل الفجر…
تخرج مع القطيع…
تمشي لساعات تحت الشمس…
تراقب كل رأسٍ فيه…
وإذا ضاع واحد… تتحمّل أنت ثمنه.”
سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة:
“ستحمل الماء بيدك وتنظف بيدك وتتعب بيدك…”
ثم اقترب خطوة واحدة، وقال بصوتٍ منخفض لكن حاسم:
“هنا… لا أحد يعمل عنك.”
صمت لحظة، ثم قال الجملة التي أنهت كل شيء:
“وهنا ستتعلّم… أن كل شيء له ثمن… وأن هناك من دفع عنك هذا الثمن لسنوات دون أن تشعر.”
مرّت الساعات الأولى ببطءٍ قـ,ـاتل.
لم يُعطَ فرصة للراحة ولا حتى ليفهم ما يحدث حوله.
في الظهيرة، وجد نفسه يسير خلف القطيع، يحاول أن يسيطر عليه، بينما الشمس فوق رأسه كأنها تضغط عليه بلا رحمة.
كانت الأرض حارّة والخطوات ثقيلة…
والأنفاس تتسارع مع كل مترٍ يقطعه.
تعثّر أكثر من مرة صرخ غاضبًا…
تذمّر بصوتٍ مسموع ثم صمت، حين أدرك أن لا أحد سيجيبه.
وفي كل مرة يخطئ…
كان يرفع عينيه فيجد نظرة والده فقط.
صامتة… ثابتة…
كأنها تقول له إن هذا التعب ليس جديدًا… بل متأخرًا.
ومع كل ساعة تمرّ…
بدأ يشعر بشيءٍ لم يعتده من قبل.
ليس مجرد إرهاق…
بل ثقل… يشبه المسؤولية.
مع غروب الشمس…
جلس ياسين أخيرًا على الأرض، منهكًا، أنفاسه متقطعة، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق، كأن اليوم سحب منه كل ما كان يظنه قوة.
مرّ عبد القادر بجانبه، دون أن ينظر إليه، وقال بهدوء:
“غدًا… تبدأ
قبل الفجر.”
رفع ياسين رأسه بصعوبة، وقال بصوتٍ مبحوح:
“أنا… لا أستطيع الاستمرار هكذا.”
توقف عبد القادر هذه المرة.
التفت إليه ببطء… ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال:
“وأمك لم تكن تستطيع.”
صمت.
كأن الجملة سقطت فوقه بثقلٍ لم يتوقعه.
اقترب خطوة، وأضاف بصوتٍ أهدأ، لكنه أشد وقعًا:
“كانت تعود من عملها متعبة… مثلما أنت الآن،
تقف في المطبخ لساعات… وتوفّر لك ما تحتاج،
وتدفع عنك أخطاءك… وتغطي عليك حين تخطئ،
وتنام وهي تفكّر كيف تحميك من نفسك.”
سكت لحظة، ثم قال:
“كانت تتحمّل… وحدها.”
لم ينظر إليه ياسين…
لكنه لم يعترض.
في تلك الليلة…
استلقى على فراشه بصعوبة، وجسده يئنّ من التعب، لكن النوم لم يأتِ.
لم يكن الإرهاق وحده ما يمنعه بل صورة واحدة أمه.
لم يرها كما كان يراها دائمًا…
بل كما لم يحاول أن يراها من قبل.
امرأة… تتعب وتصمت وتتحمّل دون أن تشتكي.
شعر بشيءٍ يضغط على صدره.
ولأول مرة منذ سنوات…
لم يكن غضبًا.
وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة فقط…
أنه لأول مرة في حياته لا يملك طريقًا للهـ,ـروب.
مرّت الأيام ببطء، لكنّها لم تمرّ دون أثر.
تعلّم ياسين كيف يسير خلف القطيع، كيف يراقب حركته، وكيف يفهم صمته، لكنّه لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا بكل انتباهه.
وفي أحد الأيام، حين اشتدّ الحرّ، جلس قليلًا ليستريح، ظنّ أنّ الأمور تحت السيطرة وأنّ القطيع لن يبتعد.
لم يحتج الأمر أكثر من لحظة واحدة من الغفلة. ابتعد خروف قليلًا، ثم تبعته أخرى، ومع انشغاله لثوانٍ
ظنّها عادية، كان القطيع قد اقترب من أرض وعرة لم ينتبه لها.
حين التفت أخيرًا، اندفع نحوهم مسرعًا، يصرخ ويحاول أن يلحق بهم، لكن الوقت كان قد تأخر، فقد انزلقت إحداها وسقطت أمام عينيه.
توقف في مكانه، ينظر دون أن يتحرك، وقلبه يخفق بعنف، وكأن ما حدث أكبر من أن يستوعبه في تلك اللحظة. لم تكن مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة مباشرة لإهماله، لحظة واحدة كشفت كل شيء.
بعد دقائق، وصل عبد القادر. نظر إلى الخروف الساقط، ثم إلى ياسين، ولم يغضب ولم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ كان أشد وقعًا من أي صراخ:
“هنا… الخطأ له ثمن، وأنت اعتدت أن يدفع غيرك هذا الثمن.”
“ما حدث اليوم ليس خطأً عابرًا… بل هو طبع فيك.”
تجمّد في مكانه، وكأن الكلمات أصابته دفعة واحدة.
سكت عبد القادر لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:
“كما امتدت يدك على أمك… امتدّ إهمالك اليوم ليؤذي ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه.”
ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن اتهامًا بقدر ما كان مرآة وُضعت أمامه فجأة، ليرى نفسه كما هي، دون تبرير أو هروب. وفي تلك اللحظة، أدرك ما كان يتجنّب رؤيته طوال الوقت.
وفي مكانٍ آخر، لم تكن أمه تنتظر. في الدار البيضاء بدأت حياة جديدة بهدوء، حياة لا تقوم على الخوف أو التبرير.
أعادت ترتيب بيتها كما تريد، وتخلّت عن أشياء كثيرة كانت تحتفظ بها من أجله، حتى غرفته لم تعد كما تركها. لم تمحه من قلبها، لكنها توقفت عن الدوران حوله.
وصارت تخرج دون قلق، وتعود دون خوف، وتنام دون أن تنتظر صوت الباب كما كانت تفعل كل ليلة.
ولأول مرة منذ سنوات،
شعرت بالأمان.
مرّت الشهور، وتغيّر شيء في ياسين. لم يعد يصرخ كما كان، ولم يعد يحتج على كل شيء، بل صار يستيقظ قبل الفجر دون أن يُطلب منه، ويسير خلف القطيع بصمت مختلف. لم يكن ذلك الصمت راحة، بل فهمًا جاء متأخرًا، لكنه كان حقيقيًا.
في ذلك المكان القاسي، لم يتعلّم ياسين العمل فقط… بل تعلّم أن يكون رجلًا، وأدرك أن إبعاده عن المدينة ورفاق السوء لم يكن عقابًا، بل كان أفضل قرار اتخذه والداه… ليُنقذاه من نفسه.





