قصص قصيرة

ابنها رفع حله الفول

في ليلة من ليالي يناير، قال لك أنا مش عارف إزاي بعدت عن هنا كدة. فهمتِ قصده من غير شرح.. بعد عن الأصل، عن البساطة، عن إنه يشوف بجد بدل ما يفترض. بعد عن الحياة اللي الجوع فيها بيبان لأن الكل بياكل من طبق واحد. قلتِ له الجملة اللي تلخص كل حاجة شوية بشوية يا ابني.. دي الطريقة اللي الناس بتفقد فيها روحها.. مبيحصلش مرة واحدة.

سكت كتير.. لدرجة إنك افتكرتِ الخط قطع.

طارق بص لي وسأل بوجع يعني أنا ضيعت روحي يا أمي؟ بصيت حوليا في المطبخ.. الحيطان متبيّضة ونضيفة، الدفاية الجديدة بتزن بهدوء في الركن، مفرش التربيزة القديم لسه موجود لأني بحبه، بس المرة دي مفروش على تربيزة مستوية بعد ما النجار صلح خشبها. في الصالة، العيال بيضحكوا وصوتهم مالي البيت.

قلت له بهدوء لأ يا ابني.. إنت بس أجرت روحك ل الراحة شوية، ونسيت إن الراحة بفلوس بس السكينة بالأصل. ضحك ضحكة فيها تعب وامتنان، وسمعت فيها صوت طارق الصغير اللي كان بيجري ورايا زمان.

على الربيع، كان الطلاق بقى رسمي، وشيرين نقلت لشقة مودرن في التجمع وبدأت حياتها من جديد بطريقتها.. مكياج مثالي، كلام موزون، ومحاولات دايمة لتبديل السرقة بمصطلح اختلاف أولويات. بس المحكمة مكنتش شايفة ده، ولا كشوف الحسابات. واتحكم عليها ترد اللي تقدر عليه، رغم إن جزء كبير من الفلوس كان طار في الفساتين والمصايف والمنظرة الكدابة اللي كانت أهم عندها من شتا أم جوزها.

طارق فتح لي حساب جديد وحط فيه كل الفلوس اللي رجعت. أخدته معايا البنك، وخليته يقعد جنبي والمدير بيشرح لي كل ورقة وكل رقم سري. لما الموظفة الصغيرة بدأت توجه الكلام لطارق بحكم العادة، خبطت على المكتب وقلت لها يا بنتي، الفلوس دي بتاعتي أنا.. بصي لي وأنا بكلمك. طارق ابتسم وهو بيشرب قهوته، وعرف إن الدرس أخيراً جاب نتيجة بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

الأحفاد بدأوا يجوا لوحدهم من غير أمهم.. وده غير كل حاجة. إبراهيم اتعلم يلعب كوتشينة مع الشيخ عبد الحميد، وبقى يغش بمنتهى البجاحة ويضحك. ياسين الصغير قرر إن قِدرة الفول بتاعتي بتعمل أحسن فول في مصر، وبقى يعلن ده كأنه قاضي بيصدر حكم. بقوا يساعدوني في البيت، ويسألوا عن جدهم الله يرحمه.

وفي يوم مطير، لقوا علبة سمنة قديمة فيها صور زمان. المطبخ اتقلب متحف لتاريخ أبوهم.

بابا كان فقير؟ إبراهيم سأل بصدمة حقيقية وهو شايف صورة طارق وعنده 9 سنين، هدومه قديمة بس ضحكته مالية وشه قدام تورته معمولة في البيت. طارق كان قاعد على الأرض وساند ضهره على الكنبة، رد قبل ما أتكلم فقير جداً يا إبراهيم.

ياسين بص في صورة تانية وسأل طيب ليه ماما كانت دايماً بتمثل إن الفقراء ناس مش نضاف؟ السؤال نزل كأنه حجر في ترعة هادية. طارق مكدبش ولا زوق الكلام، قال لهم بصدق عشان فيه ناس بيخافوا يبقوا زي الحاجة اللي بيحكموا عليها.. وساعات لما الناس بيبقى معاها فلوس، بيستخدموها غلط عشان يداروا خوفهم. العيال هزوا راسهم، وقبلوا الحقيقة بحتت صغيرة لحد ما يكبروا ويفهموها كلها.

في يوم سبت من شهر مايو، طارق جه لوحده. لابس جينز وقميص عادي، وشايل شنط الخضار والفاكهة في إيده، وباين عليه إنه بدأ يسيب المنظرة بعيد وهو جاي. عملت القهوة، وقعدنا نفصص بسلة سوا زي ما كنا بنفصص الفول زمان. قال لي فجأة يا أمي.. أنا قررت أسيب الشركة الكبيرة.

ده فاجئني أكتر من أي حاجة تانية.

ليه يا ابني؟ بص للبسلة في إيده وقال لأني قضيت سنين بعمل فلوس وسط ناس بيتكلموا عن قيم العيلة وهما سايبين أمهاتهم للمساعدين والسكرتارية. بعد اللي حصل هنا، بقيت بشوف حاجات كنت بسميها عادي. أنا مش عاوزه عيالي يكبروا فاكرين إن الراجل يبقى ناجح لو اشترى 10 بيوت وهو مش عارف أمه بردانة ولا لأ.

المطبخ سكت.. وقلت له وهتعمل إيه؟ ابتسم جالي عرض من شركة أصغر في المنصورة. فلوس أقل، بس وقت أكتر.. وهنقل السكن هناك، هبقى قريب منك ومن العيال. مردتش عليه فوراً لأن عيني دمعت.. والحياة علمتني إن دموع الفرح مش ضعف. هزيت راسي وقلت دي اللي تتسمى حياة يا ابني.

العيد اللي بعده كان مختلف.. مش مثالي، لأن الحياة مش فيلم سينما، والوجع مش بيتمسح بكلمتين. لسه فيه قضايا، ولسه فيه أوقات طارق بيبص لي ب ذنب بيوجعني. ولسه فيه أيام ركبي بتوجعني وبقول يا ريت أبوه كان عايش يشوف ابنه وهو بيرجع لأصله.

لكن.. الشبابيك مابقتش تزيق بالليل من البرد. المخزن مليان. الدفاية جنمب السرير. الحساب فيه فلوس بتدخل باسمي وبمعرفتي. إبراهيم وياسين زينوا الشجرة الكبيرة ومنوروها. الشيخ عبد الحميد جه اتعشى معانا وجاب الكحك تاني، بس المرة دي ك تحلية مش ك نجدة.

ولما طارق رفع غطا حلة الفول ، ابتسم بطريقة

تانية خالص.

إنتي اللي عملتيه؟

أمال مين يعني؟

وبالسجق كمان؟

جرا إيه يا ابني.. ما أنا بقى عندي خيارات دلوقتي! العيال هيصوا كأنهم بياكلوا ديك رومي.. والحقيقة إن طعم الرضا أحلى بكتير.

شيرين مكنتش موجودة.. الغياب ده وجعنا عشان العيال، بس الغياب ساعات بيبقى أنضف من السم اللي بيتحط على التربية. وإحنا قاعدين بنشرب القهوة، طارق مسك إيدي وقال أنا لسه مش قادر أسامح نفسي إني مكنتش عارف.

بصيت له كتير.. برا، الهوا كان بيخبط في الشبابيك المتصلحة.. وجوا، الدفا كان حقيقي. الدفا مش ديكور، الدفا كرامة وستر. قلت له مش لازم تقضي بقيت عمرك بتعاقب نفسك.. اقضيه وإنت واخد بالك.

هز راسه كأنه بيجمع دروس مش أعذار، وقال أنا كنت هخسرك وأنا فاكر إني برعاكي. ضغطت على إيده لأ يا حبيبي.. إنت كنت هتخسر نفسك.. والحمد لله إنك رجعت لها من باب مطبخي.

عرفت وقتها إن أسوأ حاجة شيرين سرقتها مكنتش الفلوس.. كانت الوهم إن الحب اللي بيتبعت من بعيد بيوصل لوحده. الحب مبيوصلش لوحده.. لازم حد يشيله بإيده ويوصله. القصة مكنتش عن طبق فول ولا عن 100 ألف جنيه.. القصة كانت عن اللحظة اللي الابن بص فيها لتربيزة أمه، وحيطانها، وشتاها.. وشاف الحقيقة.

كل حاجة اتغيرت في اللحظة دي.. مش عشان بقى غني.. عشان لأول مرة من سنين.. بقى موجود.

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى