
قصر المنصوري
الجزء الأخير
الهواء داخل القصر صار ثقيل.
سامي وقف عند الباب ينتظر الأوامر، بينما عمر بقى ثابتًا لثوانٍ، ينظر نحوي بطريقة خلت قلبي يدق بعنف.
لأننا فهمنا الشيء نفسه.
نادين ما انتهتش.
قال عمر بهدوء مخيف:
“خلي الأمن يقفل كل البوابات. ومحدش يدخل أو يخرج بدون إذني.”
“حاضر يا فندم.”
ثم نظر للأطفال.
ليان كانت متمسكة بطرف قميصه.
أما آدم… فبدأ يرجع له الخوف من جديد.
عمر نزل لمستواهم وقال:
“محدش هيقربلكم. أوعدكم.”
لكن الأطفال اللي عاشوا الرعب لفترة طويلة…
ما عادوا يصدقوا الوعود بسهولة.
بعد ساعة تقريبًا، القصر كله كان مقلوب.
الأمن يراجع الكاميرات.
الحراس منتشرين بالخارج.
والخدم يتهامسوا بخوف.
أما أنا…
فكنت أحاول أبدو قوية قدام الأطفال، رغم إن داخلي كان يرتجف.
وفجأة…
سامي دخل مرة ثانية، ومعه ظرف أبيض.
“الظرف ده كان مرمي عند البوابة الخلفية.”
عمر أخذه ببطء.
فتح الظرف.
ثم تجمدت ملامحه.
قلبي انقبض.
“في إيه؟”
لكنه ما ردش.
مد يده بالورقة نحوي.
ولما قرأتها…
الدم تجمد بعروقي.
كانت صورة لي.
صورة قديمة جدًا…
من دار الأيتام.
ومكتوب أسفلها:
“كل الناس ليها نقطة ضعف.”
إيدي بدأت ترتعش.
نادين كانت تعرف عني أكثر مما توقعت.
همس عمر:
“هي بتحاول تخوفك.”
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
“ونجحت.”
لأول مرة…
اقترب مني بدون تلك الهيبة الباردة اللي دائمًا تحيطه.
وقال بهدوء:
“بصيلي.”
رفعت عيني بصعوبة.
“إنتِ مش لوحدك.”
الجملة نزلت داخلي بطريقة غريبة.
لأن عمري كله…
كنت وحدي فعلًا.
لكن قبل ما أرد، سمعنا صوت صراخ بالخارج.
سامي التفت بسرعة.
“الحقوني!”
كل شيء بعدها صار بسرعة مرعبة.
الأمن جرى للخارج.
وعمر اندفع فورًا.
أما أنا…
فحضنت الأطفال بقوة.
ومن الشباك، شفت المشهد.
واحد من رجال الأمن ماسك شخص حاول يهرب بعد ما تسلل للحديقة الخلفية.
لكن المصيبة…
إن الرجل ما كانش غريبًا.
كان “حسن”…
السائق القديم في القصر.
الرجل اللي الأطفال كانوا يثقوا فيه.
عمر وقف أمامه وعينيه مظلمة بشكل مخيف.
“مين بعثك؟”
حسن حاول ينكر.
لكن بعد دقائق من الضغط…
انهار.
وقال الحقيقة.
نادين وعدته بالمال مقابل إنه يخوفني علشان أترك القصر.
بس عمر فهم فورًا إن الموضوع أكبر.
لأن نادين كانت تعرف:
طالما أنا موجودة…
الأطفال لن يرجعوا تحت سيطرتها أبدًا.
وفي نفس الليلة…
وصلت أخبار ثانية.
نادين حاولت تسحب مبلغ ضخم من حسابات عمر وتهرب خارج البلد.
لكن عمر كان أسرع.
كل حساباتها اتجمدت.
وتم رفع قضية ضدها بسبب تعنيف الأطفال والتلاعب المالي.
وخلال أيام…
اختفت من حياتهم تمامًا.
لكن الحقيقة؟
المعركة الأصعب ما كانتش مع نادين.
كانت مع الخوف اللي تركته داخل الأطفال.
ليان كانت تصحى من النوم وهي تبكي.
وآدم ما عاد يترك لعبته من يده.
وأي صوت عالي يخليهم يرتعبوا.
لكن هذه المرة…
ما كانوا وحدهم.
عمر بدأ يغير حياته بالكامل.
قلل سفره.
صار يأكل معهم يوميًا.
يحضر المدرسة.
يحكي لهم قصص قبل النوم بنفسه أحيانًا.
وفي البداية…
الأطفال كانوا مترددين.
لكن يومًا بعد يوم…
بدأوا يضحكوا أكثر.
وصار القصر اللي كان مليئًا بالخوف…
فيه حياة لأول مرة.
أما أنا…
فكنت أحاول أبقى بعيدة.
أقول لنفسي إني مجرد خادمة.
وإن دوري انتهى بمجرد ما صاروا بخير.
لكن المشكلة…
إن الأطفال ما عادوا يشوفوني كخادمة.
وفي ليلة هادئة، بينما كنت أرتب ألعاب آدم…
دخل عمر الغرفة.
وقف بصمت للحظات.
ثم قال:
“ليان رفضت تنام قبل ما تتأكدي إنك موجودة.”
ابتسمت بخفة.
“اتعودوا عليّ بس.”
لكنه هز رأسه ببطء.
“لا… اتعلقوا بيكي.”
الصمت طال بيننا.
ثم قال فجأة:
“وأنا كمان.”
اتجمدت.
قلبي نسي يدق للحظة.
عمر اقترب خطوة واحدة فقط، وكأنه يخاف يهربني.
“مريم… إنتِ أول شخص حمى أولادي فعلًا.”
بلعت ريقي بسرعة.
“أنا بس عملت اللي لازم.”
“لا.”
نظر لي مباشرة.
“إنتِ عملتي اللي أنا نفسي فشلت أعمله.”
الكلمات وجعته وهو يقولها.
ثم أكمل بصوت أخفض:
“وأنا عمري ما هنسى ده.”
في تلك اللحظة…
سمعنا صوت خطوات صغيرة.
ليان وآدم واقفين عند الباب.
ليان ابتسمت بخبث طفولي:
“إحنا جعانين.”
ضحك عمر لأول مرة بصدق.
أما آدم…
فجأة جرى ناحيتي وحضن رجلي.
وقال الجملة اللي كسرتني تمامًا:
“إنتِ هتفضلي معانا صح؟”
نظرت لهم…
للبيت اللي كان مليئًا بالخوف وأصبح دافئًا أخيرًا.
للرجل اللي يحاول يصلح أخطاءه.
للطفلين اللي تعلموا أخيرًا إن الأمان موجود.
ثم ابتسمت وقلت:
“أيوه…
هفضل.”
وبعد سنة…
في نفس القصر…
كان صوت ضحك الأطفال يملأ المكان.
ليان تجري في الحديقة.
وآدم يصرخ لأنه ربح لعبة جديدة.
أما عمر…
فكان واقف بجانبي يراقبهم.
ثم أمسك يدي بهدوء.
وقال:
“تعرفي إنك أنقذتي أربع أشخاص مش طفلين بس؟”
ابتسمت له.
“أربعة؟”
نظر لنفسه أولًا.
ثم للأطفال.
ثم لي.
وقال:
“أنا كنت أكثر واحد ضايع بينهم.”
ولأول مرة في حياتي…
ما حسّيت إني يتيمة.
لأن بعض العائلات…
ما بتتولدش.
بعضها…
بيتكوّن بعد النجاة.





