قصص قصيرة

ابنها رفع حله الفول

طبق الفول.. وحساب السنين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

اللحظة اللي طارق رفع فيها غطاء الحلة وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم ال 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر؟، في اللحظة دي، فيه حاجة جوا الحاجة نادية اتهدت تماماً.

لأنها في الثانية دي، استوعبت إن الفقر اللي كانت عايشة فيه السنة اللي فاتت مكنش نصيب وقدر، ولا كان قلة حيلة من الزمن.. كان غدر. والغدر ده كان واقف قدامها في المطبخ، على بعد خطوتين من البوتاجاز.

كان صبّاحية يوم العيد في حارة من حواري طنطا، والبرد كان بيدخل من شقوق الشباك الخشب كأن البيت مبني من الذكريات مش من الطوب. الحاجة نادية كانت صاحية من قبل الفجر، كالعادة، ركبها تعباها من الروماتيزم، وبالها مشغول بحاجة واحدة بس ابنها طارق جاي يزورها.

كنست السلم.. نفضت التراب من الأركان.. مسحت مفرش الطبلية البلاستيك اللي مرسوم عليه ورد ودبل لونه من كتر الغسيل. نورت اللمبة السهاري الصغيرة اللي بقالها سنين عندها، مش فرحة بالعيد، بس عِند في الحزن.

مكنش فيه لا ديك رومي.. ولا لحمة.. ولا حتى كحك وبسكويت طازه من الفرن. الحاجة الوحيدة اللي قدرت تحطها على النار هي شوية الفول اللي الجمعية الشرعية إدتهملها ليلة العيد، مع كيس رز صغير، وحتة جبنة، وباكو بسكويت شاي شالته للتحلية.

الفول كان بيغلي ببطء، مالي المطبخ بريحة الرضا اللي تشبّعك وفي نفس الوقت تكسر قلبك.

نادية لبست عبايتها الكحلي، العباية اللي شكلها لسه مستور لو محدش دقق في الأطراف الدايبة. سرحت شعرها بمية، عدلت صورة جوزها الله يرحمه على الحيطة، وحطت جنبه أحدث صورة لابنها وعيلته.

طارق، بابتسامة خفيفة، ولابس بدلة غالية وساعة بتلمع. شيرين، مراته، رفيعة ومرسومة، بملامح تخليكي تحسي إنها قرفانة حتى وهي بتتصور. والحفيدين، لبسهم شيك لدرجة إنهم باينين كأنهم طالعين من إعلان تليفزيون.

عايشين في الشيخ زايد، في فيلا من اللي شبابيكها إزاز واصل للأرض، وأرضياتها مفيش فيها ذرة تراب، وسفرتها تشيل 12 فرد. في حين إن نادية قضت آخر 9 شهور وهي بتحشر قماش قديم

في حلق الشباك عشان البرد مايقسمش ضهرها وهي نايمة.

مكانتش بتشتكي. أو على الأقل، ده اللي كانت بتقوله لنفسها. كانت بتقول إن الضنا ليه حياته.. والأحفاد بيكبروا.. والمدن الكبيرة بتسرق الوقت. والأم اللي عندها أصل مابتشحتش الحنية ولا تطلب المساعدة كأنها حالة إنسانية.

كررت الكلام ده لنفسها لدرجة إنها صدقته.

الأسبوع اللي فات، طارق كلمها زي عادتهبسرعة، وهو مستعجل. قال لها إن عندهم عزومة عمل مهمة ليلة العيد وميقدرش يتأخر. بس وعدها إنه هيجيلها بدري يوم العيد الصبح. هيقضي اليوم معاها.

نادية مسكت في الوعد ده كأنها ماسكة في طرف توب بينقذها من الغرق. مسكت فيه عشان ماتفكرش إنها أكلت فتة فول لوحدها ليلة العيد والبيوت التانية كانت مليانة ضحك وعزومات.

العربية السوداء الفخمة وقفت قدام البيت الساعة 11 الصبح. ضخمة.. بتلمع.. شكلها غريب جداً في الحارة اللي الستات فيها لسه بيكنسوا قدام بيوتهم بمقشة جريد.

نادية جريت على الباب وهي لسه لابسة المريلة. أول ما شافت طارق نازلطويل، شيك، ريحة برفانه سبقت خطواتهقلب الأم عمل اللي دايما بيعمله، مهما كان مهجور. اتفتح على الآخر.

يا أمي! نادى عليها وح.ضنها. الح.ضن ده كان هيخليها تعيط. وراه، العيال جريوا عليها وح.ضنوا رجلها، وطلعت شيرين في الآخر، لابسة نظارة شمس رغم إن الجو غيم، وجزمة مفيش عليها عفرة تراب، وشنطة إيد تمنها ممكن يشتري عفش بيت نادية كله بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

إزيك يا طنط ، شيرين قالتها بابتسامة صفراء، ومالت براسها كأنها بتبوس الهوا بعيد عن وش نادية.

دخلوا البيت. ومع دخولتهم، دخل الكسوف. البيت كان تلاجة. الدهان مقشر. الكنبة مكسورة من جنب. والبيت كله كان باين عليه الفقر.

العيال قعدوا يتفرجوا باستغراب، وشيرين كانت بتبص للأوضة بنظرات فحصمش بتشوف، دي كانت بتقيّم.

نادية خدتهم للمطبخ. المطبخ أدفا، كدبت عليهم.

طارق قعد على الكرسي الخشب اللي والده كان بيقعد يقشر عليه برتقال زمان. شيرين ملقلعتش البالطو بتاعها حتى. فضلت واقفة بتبص في موبايلها، وصوابعها مليانة خواتم.

نادية عرضت عليهم قهوة بصوت فجأة بقى واطي وضعيف في بيتها. صبي لي يا أمي، طارق قالها. الريحة حلوة أوي.. عاملة لنا إيه؟بقلم الكاتبه نرمين عادل همام

كانت لسه هترد. بس هو قام وراح للبوتاجاز. رفع غطاء الحلة وبص للي جواها.

في الأول ابتسم، كأنه لقى حاجة مكنش متوقعها. بعدين الابتسامة اتغيرت. بقت مرتبكة. مشدودة. وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياة أمه.

فول؟ سأل باستنكار. بعدين لف وبص لها.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى