
آخـر العِشـرة كـاملة بقلـم منـي الـسـيد
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل، المطبخ ريحته سمنة بلدي وعيش متحمص، وأنا واقفة ببلع غصتي اللي بقالي تلات سنين كتماها في قلبي.
من قبل الفجر وأنا على رجلي، بجهز فطار لتمنتاشر بني آدم من عيلة جوزي.. أصل حماتي، الحاجة فوزية، عندها قانون صارم الست الأصيلة تبان شطارتها في خدمتها لأهل جوزها. تلات سنين وأنا مستحملة عشان بحب مؤمن، وعشان أثبت لهم إني بنت أصول، رغم إنهم من يوم ما دخلت البيت وهم بيعاملوني على إني اليتيمة الغلبانة اللي مؤمن اتفضل عليها واتجوزها. حكايات مني السيد.
لما حطيت آخر طبق على السفرة، مؤمن بص لي قدام الكل، ونطق كلمة واحدة هدت كل حاجة في ثانية
أنتِ طالق يا رانيا.
الصالون كله سكت.. السكات كان مرعب.
إيدي كانت لسه ماسكة فوطة المطبخ. عمتو ميرفت إيدها وقفت في الهواء واللقمة لسه واصلة لبقها. وحماتي، اللي قاعدة في رأس السفرة بجلالة قدرها ودهبها، ابتسمت نص ابتسامة.. ابتسامة شماتة وراحة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان. متوفرة على روايات و اقتباسات أما جوزي، مؤمن الشناوي، فكان واقف بقميصه الأبيض المكوي، وجزمته اللي بتلمع، وساعته الماركة الغالية اللي أنا دافعة ثمنها من ورث أبويا الله يرحمه عشان يبان شيك قدام المستثمرين. ما كانش باين عليه الڠضب، كان واقف بمنتهى البرود.. زي واحد بيكسر فيا وهو مطمن تماماً إن ماليش ضهر.
قال بنبرة ناشفة سمعتيني؟ مش عايز أشوف وشك في البيت ده تاني.
ولما جيت أتحرك من صدمتي، رفع إيده.. وطاخ. متوفرة على روايات و اقتباسات
قلم نزل على وشي. صوت الكف ضړب في جدران الصالة زي حاجة غالية انكسرت مية حتة.
خدي ۏلع ڼار، وداني صفرت، والدموع نزلت ڠصب عني من المڈلة والۏجع. في اللحظة دي، شفت كل حاجة بوضوح الزيت اللي بيغلي على البوتاجاز، كوباية العصير المقلوبة جنب إيد ابن عمه، غوايش حماتي اللي بتبرق.. والشماتة اللي في عيونهم.
عمو رفعت كسر السكات بضحكة مستفزة عفارم عليك يا مؤمن.. أهو كده عرفت مقامها وحجمها الطبيعي.
أنا مبصتش لحد فيهم.. عيني كانت في عين مؤمن. سألته وصوتي بيرتعش من القهرة ليه يا مؤمن؟ أنا قصرت معاك في إيه؟
قرب مني ووطى صوته بس بقسۏة مسموعة عشان زهقت من التمثيل.. وزهقت من إني أوهم نفسي إنك من مستوانا. كفاية عليكي تلات سنين عيشتيهم في عيشة مرتاحة عمرك ما كنتِ تحلمي بيها.
حماتي لوحت بإيدها بملل خلاص يا رانيا مش هتقعدي ټعيطي لنا هنا.. لمي حاجتك وامشي بكرامتك. واحدة زيك لا حيلتها عيل يربط الراجل، ولا ضهر ولا عيلة كبيرة، ولا حتى شغلانة تلمك.. المفروض تشكري ربنا إنه صبر عليكي كل ده.
شغلانة تلمني.. ماليش ضهر..!
الكلام ده كان زي المية الساقعة اللي فوقتني من صدمتي. تلات سنين وهم شايفيني الست الهادية الطيبة اللي بتطبخ وتغسل وتستحمل قلة الأدب. عمرهم ما سألوا نفسهم هو مؤمن جاب الفلوس اللي وقف بيها شركته تاني بعد ۏفاة حماه منين؟ عمرهم ما سألوا الشيكات وعقود الشراكة اللي ممضي عليها في درج مكتبي باسم مين؟ عمرهم ما فكروا إن فلوس أبويا اللي حطيتها في الشغل معاه هي اللي شايلة العز والمنظرة دي كلها ومنعاهم من الإفلاس.
ما سألوش.. عشان الكِبر كان عامي عينيهم.
فكيت رباط المريلة براحة وإيدي بترتعش.. طبقتها مرة والتانية، وحطيتها على الرخامة جنب الفطار اللي عملته لناس ما يستاهلوش لقمة ناشفة من إيدي.
وقلت بصوت مخڼوق بس قاطع أنا ماشية.
أخته ضحكت باستهزاء ماشية؟ وعلى فين بقى





