قصص قصيرة

تنكّر أغنى رجل بالبلد كنادل… وخطيبـة ابنه كشفت وجهها الحقيقي!

ما حدث في تلك الليلة لم يكن خلافا عائليا بسيطا ولا عشاء محرجا انتهى على نحو سيئ. لقد كان اختبارا محكم التخطيط صمم لكشف الجشع وتحطيم الولاءات وإعادة تشكيل مصير ثروة بنيت على مدى عقود.
لم يكن دون ريكاردو ألاركون رجلا يمنح ثقته بسهولة.
في أوساط النخبة في العاصمة كان لاسمه ثقل لا ينكر. أبراج عقارية فنادق فاخرة أحياء كاملة تشكلت بقراراتهلقد بنى إمبراطوريته من العدم قرارا قاسيا تلو الآخر. كان يحترم الطموح ويفهم الجوع إلى النجاح لكنه لم يكن يحتمل الخداع.
ومؤخرا بدا أن للخداع اسما.
صوفيا.
في نظر العالم الخارجي كانت تبدو كاملة أنيقة هادئة متقنة المظهر. كانت تتحرك في المجتمع الراقي بسهولة من يعتقد أنه ينتمي إلى القمة. وربما كان ذلك ما أقلق دون ريكاردو أكثر من جمالهاليس مظهرها بل الدقة المحسوبة التي تستخدم بها هذا المظهر.
أليخاندرو ابنه الوحيد كان واقعا في حب أعمى. حب مؤلم.
إنها مختلفة كان أليخاندرو يصر كلما عبر والده عن قلقه. لا تهتم بالمال بل تهتم بي.
كان دون ريكاردو قد سمع هذه الكلمات من قبل. مرارا وتكرارا. نطق بها رجال انتهوا بالتخلي عن ثرواتهم وسموا ذلك حبا.
بدأ يراقب صوفيا بعنايةلا كأب شكاك بل كرجل أعمال يفحص عقدا كتب بحبر أنيق يخفي بنودا خطرة تحت السطح. كانت أسئلتها دائما مهذبة لكنها استراتيجية. أذواقها راقيةلكنها باهظة بلا شك. وإعجابها بإرث عائلة ألاركون كان دائما مفرطا قليلا.
ومع اقتراب موعد الزفاف تحول قلق دون ريكاردو إلى عزم حاسم.
في تلك الأمسية اختار أليخاندرو وصوفيا مطعم إل دورادوأحد أكثر مطاعم المدينة حصريةللاحتفال بخطبتهما على انفراد. بلا صحافة بلا أقارب. فقط ضوء الشموع وإطلالة بانورامية على الأفق ووهم الحميمية.
قرر دون ريكاردو أن الوقت قد حان لاختبار ذلك الوهم.
لم يرد مواجهتها بصفته قطبا ثريا فالثروة ترهب لكنها أيضا تنذر. أراد أن يجعل نفسه غير مرئي. مستهلكا. شخصا تقاس قيمته في نظرها على الفور.
عبر علاقات سرية حصل على زي نادل بال. لا شيء دراميفقط قديم بما يكفي ليقترح التفاهة. شوه مظهره بنظارات رخيصة وشعر مستعار رمادي ووضعية منحنية متعبة. الرجل الذي كان يقود مجالس الإدارة صار ضجيجا في الخلفية.
عند وصوله إلى إل دورادو تمركز قرب مدخل صف السياراتحيث تكشف الامتيازات غالبا عن وجهها الحقيقي.
تتابعت السيارات الفاخرة. تعالت الضحكات. علق العطر في الهواء. وملأت الوعود بالشمبانيا المكان.
ثم وصلت سيارة أليخاندرو.
انقبض صدر دون ريكاردو.
نزل ابنه أولاواثقا فخورا ممتلئا بالأمل. ثم خرجت صوفيا.
كانت آسرة. فستان مصمم بلون الزمرد يلتف حولها كأنه صنع لهذه اللحظة. الماس يلتقط الضوء بلا عناء. ابتسامتها متقنة مدروسة. شبكت ذراعها بذراع أليخاندرو دون تردد كما لو أنها تؤدي دورا تدربت عليه لسنوات.
مرا بمحاذاة دون ريكاردو.
لم تلاحظه صوفيا.
أو بالأحرىلاحظته تماما كما اعتقدت أنه لا شيء.
لا تحية. لا نظرة. مجرد لمحة انزعاج عابرة من إزعاج الخدم طريقها قبل أن يعود انتباهها إلى السجادة الحمراء والعالم الذي ظنت أنه حقها.
داخل المطعم تبعهما دون ريكاردو على مسافة محسوبة نبضه هادئ أفكاره حادة. انتظر.
عند طاولتهماإحدى أرقى الطاولات في المكان تطل على مدينة متلألئةشكر أليخاندرو كبير الخدم بصدق. وجلست صوفيا برشاقة مدروسة تتفحص المشهد كأنه ملكها.
كانت تلك اللحظة.
اقترب دون ريكاردو بصينية مؤديا دوره بإتقان. وبينما وقف إلى جوار صوفيا ليعدل كرسيها تعثرتعثرا طفيفا فقط.
مالت زجاجة الصودا الداكنة.
تناثرت بضع قطرات على حافة حقيبتها المصممة.
تجمد الزمن.
الحقيبة. إصدار محدود. تساوي أكثر مما يجنيه معظم الناس في عام كامل.
حبس دون ريكاردو أنفاسه.
لم يكن الأمر يوما عن الانسكاب.
بل عما سيليه.
كانت البقع طفيفة بالكاد ترىلكن رد صوفيا كان فوريا ووحشيا.
انفجر صراخ غضب حاد من فمها كاف لإسكات نصف المطعم. التفتت الرؤوس. تجمد أليخاندرو وقد كان يرفع كأسه للشرب.
هذا فظيع! انظر ماذا فعلت أيها الأحمق عديم الفائدة! صاحت صوفيا وصوتها يرتجف غضبا. ثم اندفعت في سيل من الإهانات جهوري لا يرحم أمام رواد من علية القوم. هذه الحقيبة إصدار محدود! هل لديك أي فكرة عن ثمنها ألا تعرف كيف تؤدي عملك أنت مطرود!
كان دون ريكاردو متنكرا ومثقلا بألم الأب الجريح لا يملك سوى أن ينحني رأسه ويعتذر مرارا بصوت خشن مرتجف تماما كما تدرب.
أنا آسف جدا سيدتي. كان حادثا. دعيني أنظفها مد يده بمنديل لكن صوفيا أبعدت يده بازدراء ظاهر.
ولم تكن قد انتهت.
احمر وجهها غضبا وتوهجت عيناها باحتقار تجاوز بكثير حقيبة ملطخة. كان غضبا بلا تناسبازدراء عاريا لمن تراه دونها.
أمسكت بالكأس الطويل الأنيق المملوء بالكولا ومن دون تردد أو ندم سكبته مباشرة على رأس دون ريكاردو.
انهمرت الفقاعات الباردة اللزجة على وجهه غمرت شعره المستعار وملابسه وانحدرت على عنقه واختلطت بدموع لم يعد قادرا على كبحها.
كان طعم الحلاوة مرا كاو بينما كانت صوفياوقد فقدت اتزانها تماماتصرخ فيه بأعلى صوتها. ارتدت كلماتها في صمت مذهول وضربته أقسى من أي ضربة.
إلى جانبها وقف أليخاندرو متجمدا عيناه متسعتان لا يدري كيف يتصرف.
نجح مخطط دون ريكاردولكن ليس كما تمنى. لقد رأى حقيقة صوفيا وكانت أشد قسوة مما تخيل.
لم يعد السؤال الآن عنها.
بل عن أليخاندرو.
كيف سيرد ابنه على ما شهد والأهم ماذا سيعني هذا المشهد لمستقبل إرثه
كان الصمت في إل دورادو ثقيلا خانقا تقريبا لا يقطعه سوى تقاطر الكولا من شعر دون ريكاردو وأنفاس

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى