
الملايه البيضا حكايات اسما
القطعة البيضا كانت في إيد نوال، ووشها مليان انتصار مرعب، كأنها استنت اللحظة دي سنين طويلة. الستات اتجمعوا حواليها بسرعة، وكل واحدة بدأت تبص لياسمين بنظرة شماتة أقذر من التانية. سهير قربت من القماشة وهي بتفتح عينيها بتمثيل وقالت بصوت عالي: “يا نهار إسود… دي نقطة دم واحدة بس؟!” واحدة من العمات شهقت وقالت: “يعني كانت متجوزة قبل كده؟!” والتانية ضحكت بخبث: “أو يمكن مش أول مرة أصلًا.”
ياسمين كانت واقفة عند باب الأوضة، جسمها بيتلج بالتدريج. ماكنتش فاهمة إزاي القماشة دي ظهرت أصلًا. هي وأدهم أصلًا ما خرجش منهم أي حاجة. أدهم بصل للقماشة وبعدين بصل لأمه، وملامحه بدأت تتغير. غضب بارد… خطير.
— جبتي دي منين يا ماما؟
نوال رفعت دقنها بكبرياء وقالت: “من أوضتكم. كنت هسيبكم تخدعونا؟”
أدهم قرب منها فجأة وخطف القماشة من إيدها بعنف. قلبها على وشها وهو بيبص فيها. كانت متنية بطريقة غريبة… وكأنها متحضرة قبل كده. عينيه ضاقت.
— دي مش من عندنا.
نوال ضحكت بسخرية: “هتكدبني قدام العيلة كلها؟”
أدهم رفع عينه فيها لأول مرة بنظرة خوّفتها فعلًا.
— أنا ماكدبتكيش… أنا بقول الحقيقة.
الصالة سكتت تمامًا.
ياسمين كانت حاسة إن الأرض بتميد بيها. كل الإهانات اللي بلعتها سنين رجعت تضربها مرة واحدة. كل مرة سمعت فيها: “أكيد ليها ماضي.” كل مرة بنت خالتها قالتلها وهي صغيرة: “البنات الحلوة محدش بيصدقهم.” كل ده رجع يخنقها.
وفجأة… ياسمين ضحكت.
ضحكة صغيرة في الأول.
وبعدين أعلى.
كلهم بصوا لها باستغراب.
حتى أدهم.
لكنها ماوقفتش.
كانت ضحكة واحدة اتكسرت جواها من سنين وخرجت دلوقتي.
مسحت دموعها وبصت لنوال مباشرة.
— حضرتك عارفة إيه أكتر حاجة توجع؟
نوال اتكلمت بحدة: “قلة أدبك؟”
ياسمين هزت راسها ببطء.
— لأ… إن واحدة ست تبقى عدوة لست تانية لمجرد إنها جميلة.
الصمت وقع تقيل.
وياسمين كملت، وصوتها كان ثابت بطريقة صدمتهم:
— حضرتك من أول يوم شوفتيني فيه قررتي إني وحشة. ليه؟ علشان شكلي؟ علشان واثقة في نفسي؟ علشان ابنك حبني؟
سهير حاولت تدخل: “إحنا عارفين الأشكال دي—”
أدهم صرخ فيها: “محدش هيتكلم!”
ياسمين بصتله لحظة… وبعدين رجعت تبص لنوال.
— أنا استحملت إهانات كتير علشان خاطر أدهم. كل مرة كنتِ تلمحي إني مش محترمة كنت بسكت. كل مرة كنتِ تبصيلي من فوق لتحت كأني سلعة كنت بسكت. بس الليلة دي؟ لأ.
نوال ابتسمت ببرود: “طب اثبتي العكس.”
ياسمين قربت منها خطوة.
— شرفي مش عرض مسرحي يا مدام نوال.
— يبقى ليه خايفة؟
هنا أدهم اتحرك بسرعة ووقف قدام ياسمين.
— كفاية بقى!
لكن نوال كانت خلاص خرجت كل سمها.
— خايف عليها ليه أوي؟ ما يمكن فعلًا لعبت بيك يا حبيبي.
الجملة دي كانت القشة الأخيرة.
أدهم ضرب القماشة على الترابيزة بعنف لدرجة إن الكاسات اتهزت.
— أقسم بالله لو حد في البيت ده جاب سيرة مراتي تاني بالطريقة دي… هسيب البيت كله.
الكل اتصدم.
المنصوري الكبير، اللي طول عمره هادي ومحسوب، واقف بيهدد عيلته كلها علشان ست.
لكن نوال ما استسلمتش.
بصت لياسمين وقالت بكره حقيقي:
— البنت المحترمة مايبقاش عندها الثقة دي كلها.
وياسمين هنا اتغيرت ملامحها تمامًا.
— يبقى المشكلة مش فيا… المشكلة إنكم متعودين تشوفوا الست المحترمة مكسورة.
الكلمة ضربت المكان كله.
حتى الستات سكتوا.
لأنها لمست حاجة مستخبية جواهم كلهم.
نوال قربت منها وهي بتغلي:
— أنا ربيت ابني على النضافة… مش هسيبه يضيع مع واحدة—
أدهم قاطعها بصوت عالي جدًا:
— واحدة إيه؟ قولي! قوليها!
نوال اتلجلجت للحظة، لكن غرورها كان أكبر.
— واحدة متعرفش يعني إيه تربية.
وفجأة…
صوت كف قوي دوّى في الصالة.
الكل شهق.
لأن أدهم كان أول واحد في حياته يرفع إيده على حد من أهله؟
لا.
ياسمين.
ياسمين هي اللي ضربت نوال.
الصمت بعدها كان مرعب.
حتى أنفاسهم وقفت.
نوال حطت إيدها على خدها بصدمة، مش مستوعبة اللي حصل.
وياسمين كانت واقفة قدامها، جسمها كله بيترعش، لكن عينيها مليانة نار.
— دي علشان كرامتي اللي دوستي عليها سنين.
أدهم نفسه اتجمد.
لكن اللي صدمه أكتر… إنه ما زعلش.
لأول مرة يشوف ياسمين بتدافع عن نفسها.
ونوال صرخت بجنون:
— ضربتيني؟! في بيتي؟!
ياسمين ردت فورًا:
— البيت اللي فيه إهانة للستات مش بيت… ده سجن.
سهير جريت ناحية نوال: “إحنا لازم نطردها!”
لكن أدهم لف ناحيتهم كلهم وقال:
— اللي هيمشي الليلة دي… إحنا.
ياسمين بصتله بصدمة.
— أدهم…
— خلص الكلام.
طلع فوق بسرعة، وسابهم متجمدين.
وبعد عشر دقايق نزل ماسك شنطة صغيرة.
نوال جريت ناحيته.
— إنت مجنون؟ هتسيب أمك علشان دي؟
أدهم رد بدون ما يبصلها:
— أنا بسيب أي مكان يهين مراتي.
وبعدين مسك إيد ياسمين.
إيدها كانت بتترعش.
لكن أول ما حضن صوابعهـا… هديت.
خرجوا من الفيلا وسط صدمة العيلة كلها.
والباب اتقفل وراهم بصوت قوي.
في العربية…
ولا واحد فيهم اتكلم.
القاهرة كانت هادية بشكل غريب بعد الفجر. الشوارع شبه فاضية، والنور الأصفر بيعدي على وش ياسمين وهي باصة من الشباك وساكتة.
أدهم كان سايق بإيده الواحدة، والتانية ماسك بيها إيدها.
وبعد شوية…
وقف بالعربية على كورنيش النيل.
لف ناحيتها.
— بصيلي.
بصتله ببطء.
عينها كانت حمرا من العياط.
مد إيده لمس خدها بحنان.
— أنا آسف.
دموعها نزلت تاني.
— أنت مالك؟
— علشان سبتك وسط الناس دي كل السنين دي… علشان ماحمتكيش كفاية.
ياسمين هزت راسها بسرعة.
— لا… أنت كنت دايمًا في ضهري.
أدهم ضحك بحزن.
— بس مش كفاية.
وفجأة…
فتح درج العربية وطلع ظرف صغير.
ناولها ليه.
— ده إيه؟
— افتحي.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة…
ولقت عقد شقة.
باسمها.
شهقت وبصتله.
— إيه ده؟
ابتسم لأول مرة من وسط كل الفوضى.
— بيتنا.
دموعها نزلت أكتر.
— إمتى عملت ده؟
— من شهرين. كنت مجهزه مفاجأة بعد الفرح.
بصتله كأنها مش مصدقة.
— باسمي أنا؟
— طبعًا باسمك. أنا عايزك تحسي إن ليكي أمان حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدك.
سكتت ثواني… وبعدين حضنته فجأة بقوة.
وأدهم غمض عينيه وهو حاضنها، كأنه أخيرًا خد نفسه.
لكن في نفس اللحظة…
في فيلا المنصوري…
نوال كانت قاعدة في أوضتها بتنهج بغضب.
والقماشة البيضا قدامها على السرير.
سهير قالت بتوتر:
— أدهم عمره ما عمل كده.
نوال كانت عينيها مليانة حقد.
— البنت دي سحراله.
وفجأة…
الموبايل رن.
نوال ردت بعصبية:
— نعم؟
لكن أول ما سمعت الصوت…
وشها اتسحب لونه.
سهير قربت بقلق:
— في إيه؟
نوال قامت واقفة ببطء شديد.
— الليلة دي… شكلها هتبوظ فعلًا.
— ليه؟
نوال بلعت ريقها.
— المعمل اتصل.
سهير اتجمدت.
— معمل إيه؟
نوال بصت للقماشة البيضا على السرير وقالت بصوت مرتعش:
— الدم اللي عليها… مش دم بني آدم أصلًا.
يتبع





