
زوجي كان يمزح باسم صديقتي منذ 17 سنة… حتى سألتني ابنتي إن كنت أمًا سيئة
شيء.
لأنه حتى تلك اللحظة كان يظن أن كلمة أتغير كافية كي أعود إلى مكاني.
هز رأسه بعدم تصديق.
يعني إيه؟ خلاص انتهى كل شيء؟
نظرت إلى ليان.
ثم إلى يديّ.
ثم إليه مرة أخرى.
وفهمت أنني لا يجب أن أقرر حياتي كلها في تلك اللحظة.
فقط الخطوة التالية.
قلت
الآن، نعم. انتهت هذه الطريقة في العيش.
بقي محمود ثابتًا لثانية طويلة.
ثم فعل ما كان يفعله دائمًا عندما يفقد السيطرة على المشهد.
صار قاسيًا.
لو خرجتِ من البيت، ما ترجعيش تعيطي.
نظرت إليه بهدوء لم يعد يحتاج جهدًا.
هذا ما قلته لنفسي ليلة أمس. وأنا لم أبكِ من أجلك.
غادر وهو يضرب الباب خلفه.
قفزت ليان قليلًا في الممر.
ذهبت إليها فورًا، جلست أمامها، وعدّلت شعرها خلف أذنها.
أنتِ بخير؟
أومأت.
بابا مش هيزعق تاني؟
قلت
ليس هنا.
وكانت هذه الإجابة، ببساطتها، تشبه البداية.
كانت الأسابيع التالية صعبة.
ليست درامية.
بل صعبة بتلك الطريقة التي يعرفها الكبار، عندما تتحول الأمور المهمة إلى محامين، ومدرسة، ومواعيد، وحسابات، ومحادثات لا يريد أحد خوضها.
أخذت ملابس.
أوراقًا.
أدوية ليان.
كراساتها.
جهاز الكمبيوتر.
والصور التي كنت أعرف نفسي فيها.
أما الصور الأخرى، صور أعياد ميلادي بابتسامة مشدودة، ومحمود يستخدم اسم سارة كسكين، فتركتها.
ليس لأنها لا تؤلمني.
بل لأنني لم أعد أريد أرشفة إهانتي بيدي.
مر محمود بكل المراحلالمتوقعة.
غضب.
دور الضحية.
كلام ناعم.
وعود.
لوم.
ثم غضب من جديد.
كتب لي رسائل طويلة يقول فيها إنني متأثرة، وإن أحمد كان ينتظر الفرصة، وإن سارة تريد خراب البيت، وإن ليان ستدفع ثمن قراراتي.
الجملة الأخيرة وحدها كانت ما أتابع قراءته.
في يوم، بينما كنت أنتظر أمام تدريب ليان، سألتني
بابا كان كده دايمًا ولا بقى كده؟
نظرت إلى باب المكان.
لا أعرف يا حبيبتي.
سألت
وأنا ممكن أتجوز حد كده؟
نظرت إليها بسرعة.
لا يا قلبي.
إزاي عارفة؟
مسكت يدها.
لأننا من الآن سنتعلم معًا ما الذي لا يجب احتماله.
أومأت كأن الجملة مفهومة تمامًا.
وربما كانت كذلك.
بعد شهر، طلب محمود أن يراني في مقهى.
ذهبت.
ليس أملًا.
بل إغلاقًا لدائرة مفتوحة.
جاء دون مزاح لأول مرة منذ عرفته.
متعبًا، أنحف قليلًا، ويرتدي كأنه لم يعد يهتم أن يترك انطباعًا جيدًا.
جلس أمامي ولم يطلب شيئًا لبعض الوقت.
قال أخيرًا
لم أكن أصدق أنك ستغادرين فعلًا.
شربت قليلًا من الماء.
هذه كانت مشكلتك دائمًا. لم تصدق أن هناك عواقب.
خفض عينيه.
أبي كان يفعل الشيء نفسه مع أمي.
لم أجب.
قال
بل كان أسوأ. كان يقول لها كلامًا جارحًا، ثم يضحك الجميع على السفرة. وأنا أقسمت أنني لن أصبح مثله.
نظرت إليه.
كانت هذه أول مرة لا يدافع فيها عن نفسه.
ولم يكن يعتذر بالكامل أيضًا.
كان فقط، ربما لأول مرة، ينظر إلى أصل ما يحمله داخله.
قلت
لكنك أصبحت تشبهه.
أومأ دون جدال.
أعرف.
هذا لم يصلح شيئًا.
لم يمحُ سبعة عشر عامًا.
لم يُعد إلى ليان الأسئلة التي زُرعت داخلها.
لم يمسح أعياد ميلادي المكسورة، ولا الليالي التي ابتلعت فيها بكائي حتى لا أفسد الجو.
لكنه كان شيئًا.
بداية متأخرة، ناقصة، وصعبة.
قال
سأذهب إلى مختص.
قلت
افعل.
لا أقول ذلك كي ترجعي.
جيد.
نظر إليّ أخيرًا.
أريد ألا تخاف ليان مني.
هذه الجملة حرّكت شيئًا داخلي.
ليس بما يكفي للعودة.
لكن بما يكفي لأصدق أن العمل الحقيقي ربما يغير شيئًا.
قلت
إذًا ابدأ بألا تستخدمها لتؤذيني. لا تضعها بيننا. لا تجبرها على الضحك على كلامك. لا تجعلها شاهدة على ضعفك. وعندما تتحدث عني أمامها، اختر كل كلمة كأن حياتك تتوقف عليها. لأنها بشكل ما، تتوقف عليها فعلًا.
قال نعم.
لم أثق تمامًا.
لكنه، هذه المرة، سمع دون أن يضحك.
مرت ثمانية أشهر منذ تلك الليلة.
لم أرجع إلى محمود.
ولا أعرف إن كنت سأفعل يومًا.
والحقيقة أنني لم أعد أنظم مستقبلي حول هذا السؤال.
أعيش مع ليان في شقة صغيرة قريبة من مدرستها.
تأتي سارة مساء الجمعة للعشاء، وأحيانًا نسهر على أفلام عادية حتى وقت متأخر.
أما أحمد، فيظهر أقل مما يتخيل محمود، وأكثر مما أخبر الناس.
صار صديقًا هادئًا فقط.
وهذا يكفي.
ليان تنام أفضل.
لم تعد تسأل إن كنت أمًا سيئة.
وأحيانًا، عندما تعود من عند أبيها، تقول أشياء صغيرة
النهارده ما عملش نكت.
النهارده سألني الأكل عجبني ولا لا.
النهارده قال لي إن ماما شجاعة.
في تلك المرة دخلت الحمام وبكيت قليلًا.
ليس لأنني أردت العودة.
بل لأنني فهمت حجم الجهد الذي يحتاجه بعض الناس كي يتوقفوا عن القسوة، عندما تكون القسوة قد خدمتهم طوال حياتهم.
وأنا أيضًا أتغير.
أتعلم أشياء بسيطة وكبيرة.
أن آكل دون استعجال.
ألا أعتذر لأنني أخذ مساحة.
ألا أرد على الرسائل فور وصولها.
أن أعرف متى يحاول أحدهم تصغيري، وأقول لا دون تزيينها.
وأحيانًا، في ليالٍ هادئة جدًا، أتذكر أول مرة قارنني فيها محمود بسارة أمام الجميع.
كنا متزوجين منذ أحد عشر شهرًا.
ضحكت وقتها بتوتر، لأنني ظننتها مرة عابرة.
لو استطعت العودة إلى تلك السفرة، لاقتربت من المرأة التي كنتها وقلت لها شيئًا واحدًا
لا تعتادي.
لأن الإهانات الصغيرة تعيش على الاعتياد.
على الضحكة المحرجة.
على جملة هو كده.
على لا تعملي مشكلة.
على دي مجرد مزحة.
لا.
لم تكن مزحة.
كانت درسًا يتكرر.
وأنا كنت أربي طفلة داخله دون أن أنتبه.
لذلك وقفت تلك الليلة.
ولذلك قلت اسم أحمد.
ليس لأنني أردت الرحيل مع رجل آخر.
بل لأنني أردت أن يشعر محمود، ولو لثانية واحدة، بنفس الوخزة التي ظل يوزعها عليّ سنوات باسم المزاح.
كنت أحتاج أن أخرجه من المكان المريح الذي كان هو فيه يمزح، وأنا أتحمل.
وقد حدث.
ليس لإنقاذ الزواج.
بل لإنقاذ ابنتي من أن تكبر وهي تظن أن الحب يجب أن يجلس على السفرة بجانب الإهانة.
ولإنقاذ نفسي من فكرة أن التحمّل هو شكل من أشكال السلام.





