قصص قصيرة

الابن العاق حكايات صافي هاني

أخدت شكل جديد تماماً، شكل مبني على الاحترام والمسافات النظيفة.
مبقاش فيه العشم الزيادة اللي بيجيب المشاكل، ولا بقيت أنا الراجل العجوز اللي قاعد مستني عطف حد. بقينا نتقابل مرة كل أسبوعين، نتغدى سوا في مطعم هادي، نتكلم في الشغل وفي أحوال الدنيا. كان دايماً يحاول يدفع الحساب، وكنت بسيبه ساعات عشان يحس بمسؤوليته، وساعات تانية كنت بصر أدفع أنا من باب إن الأب هيفضل أب.
في يوم، وإحنا قاعدين بنشرب الشاي بعد الغدا، لوجان بصلي وقاللي بلهجة هادية بابا، أنا بفكر أشتري شقة صغيرة على قدي، وبدل ما أدفع إيجار كل شهر، أدفع قسط يملكني مكان. أنا معايا مقدم كويس جمعته من أرباح الشركة السنادي، بس البنك طالب ضامن عشان يوافق على التمويل العقاري.
سكت شوية وبصيت في عينيه. زمان، مكنتش هفكر ثانية وهروح أمضي عمياني. بس المحاسب اللي جوايا مبقاش ياخد قرارات بالعاطفة وبس.
قلتله هاتلي ورق الشقة يا لوجان، وهاتلي الميزانية الأخيرة لشركتك. هقعد أراجعهم في الشقة عندي، ولو لقيت إن خطوتك دي مدروسة ومفيش فيها مخاطرة على مستقبلك، هكون أنا الضامن بتاعك.. بس المرة دي في النور، وبعقد رسمي يحمي حقي وحقك.
وشه نوّر وهز راسه وقالي هو ده بالظبط اللي أنا عاوزه. أنا مش عايزك تدفعلي مليم، أنا بس عايز ظهر أتسند عليه وأنا بعرق وببني نفسي.
وفعلاً، جابلي الورق. قعدت ليلتين كاملين بالورقة والقلم والآلة الحاسبة، براجع الأرقام والنسب وقيمة القسط مقارنة بدخله. الأرقام كانت بتقول إن الولد بقى بيتحرك بحذر، وإن الشقة سعرها مناسب جداً ومصروفاتها مش هتهد حيله.
رحت معاه البنك، ومضيت ك ضامن رسمي. ولأول مرة، لوجان وهو بيمضي كان باصص في الورق، قاري كل بند، وعارف هو بيمضي على إيه. لما خلصنا، لفت نظري وبصيت لمدير البنك وقلتله بابتسامة راجع العقود دي كويس يا فندم، أنا محاسب قانوني قديم ومبحبش الكسور في الحسابات. المدير ضحك وقال كله تمام يا أستاذ ألبرت، ورقكم زي الألف.
ال 800 ألف دولار بتوعي لسه مكانهم، متحركش منهم دولار واحد للوجان، لإني أدركت إن أكبر غلطة ممكن يعملها الأب المقتدر هو إنه يدلق فلوسه تحت رجل عياله فيفتكروا إن الدنيا سهلة. الفلوس دي متشالة للزمن، ليوم حد فينا يتعب، أو لولاده هو في المستقبل لو ربنا كرمه واتجوز تاني وعمل عيلة حقيقية قايمة على الأصول مش على المظاهر.
وإحنا خارجين من البنك، الهوا كان دافي والشمس مخلية الشارع شكله يفتح النفس. لوجان حط إيده على كتفي وقاللي تتعشى معايا النهاردة يا بابا؟ أنا اللي هطبخ في شقتي القديمة قبل ما أنقل.
ابتسمت وقلتله ماشي يا سيدي، بس بشرط.. الثوم يكون زيادة في الأكل زي ما كنت بتحبه وأنت صغير.
ضحكنا إحنا الاتنين، ومشيت معاه وأنا حاسس إن الميزانية مش بس اتأفلت صح.. دي جابت أرباح عمري ما كنت أحلم بيها. الكرامة رجعت، والابن اتصلح حاله، والراجل العجوز بقاله هيبة وكلمة مسموعة. ودي في حد ذاتها، كانت أحسن قفلة للسنة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى