قصص قصيرة

إرث الصبـر ( السـرّ المدفــ,ـون فـي الجـذور )

تركها والدها مع أشجار يابسة وبعد سنوات توسل إليها إخوتها أن تعلمهم
ورثت فتاة شابة أشجارا جافة فقط بينما حصل إخوتها على أفضل الأراضي.
قال لها والدها باحتقار
بهذه الأخشاب المېتة ستتعلمين قيمة الجهد.

لم يكن أحد يتخيل أن تلك الأشجار التي بدت عديمة الفائدة تخفي سرا سيغير مصيرها إلى الأبد.
بينما كان شقيقاها الكبيران قد درسا في المدينة ولم يعودا إلى القرية إلا في الأعياد بقيت هي ظلا وفيا في البيت تطهو وتنظف وتعتني بوالدها رجل أنهكته الشمس وقست عليه الحياة.
في صباح من أيام أبريل كان مكتب الموثق تفوح منه رائحة الأوراق القديمة والخشب المصقول.
كان الأب قد ټوفي قبل ثلاثة أسابيع بعد مرض طويل واليوم ستتلى وصيته.
جلست الفتاة في زاوية الغرفة يداها متشابكتان فوق فستانها البسيط بينما جلس شقيقاها في المقاعد الأمامية.
قال الموثق وهو يضع نظارته

سأشرع في تلاوة الوصايا الأخيرة.
استمعت وقلبها منقبض.
لم تكن تنتظر ثروة لكنها كانت تأمل في شيء يمنحها بداية جديدة بعد سنوات من الټضحية.
أوصى للابن الأكبر بالمنزل العائلي وأراضي الري الخصبة القريبة من النهر.
وأوصى للابن الثاني بأرض الزيتون ومنزل الجدة والمعدات الزراعية.
ثم جاء دورها
وأوصي لابنتي بقطعة الأرض المرتفعة مع بستانها من الأشجار.
ساد الصمت.
تلك الأرض كانت صخرية بعيدة عن الماء مشروعا قديما مهجورا.
ضحك أحد الشقيقين ساخرا.
سألت بصوت خاڤت

هل هذا كل شيء
ناولها الموثق ظرفا قائلا
ترك لك والدك رسالة خاصة.
فتحتها بيدين مرتجفتين وقرأت بخط قاس
أترك لك الأشجار اليابسة.
بهذه الأخشاب المېتة ستتعلمين معنى العمل الحقيقي بعد أن قضيت حياتك مختبئة في البيت.
احټرقت عيناها بالدموع لكنها لم تبك.
طوت الرسالة وغادرت.
سخر إخوتها منها وقللوا من شأن ما قدمته طوال حياتها.
أما هي فسارت في شوارع القرية ورأسها مرفوع.
لن تبكي ولن تمنحهم متعة الانتصار.
جهزت حقيبة صغيرة وذهبت لرؤية إرثها بعينيها.
كانت الأرض قاحلة والأشجار واقفة كالهياكل العظمية.

جلست تحت أحدها وبكت بكت على الظلم وعلى العمر الذي ضاع وعلى الأحلام المؤجلة.
لكن عند الغروب لمست جذع شجرة وخدشت قشرته
فظهر لون أخضر حي.
لم تكن الأشجار مېتة.
كانت نائمة.
ظهر رجل مسن من الجوار وأخبرها أن الأشجار ما زالت حية لكنها تحتاج ماء وصبرا وعناية.
علمها أساسيات الزراعة وأخبرها أن الأرض تخفي بئرا قديما.

وبالفعل وجدت الماء.
منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها.
عملت صباحا في الأرض ومساء لتكسب رزقها ولياليها كانت للدراسة والتعلم.
سخر منها البعض وراقبها آخرون وساعدها القليل.
بدأت الأشجار تستعيد حياتها وظهر أول ثمرة بعد سنوات طويلة.
مع اشتداد الجفاف بدأت أراضي إخوتها ټمـ,ـوت بينما أرضها تزدهر.
حاولوا السيطرة على مشروعها ثم حاولوا تخريبه ثم جاؤوا متوسلين.
وفي لحظة حاسمة اختارت أن تشارك الماء لا بدافع الضعف بل من موقع القوة.
أصبح البستان رمزا للأمل في القرية.

زارته الجامعة والصحافة والمستثمرون.
ثم اكتشفت الحقيقة الكبرى
والدها الذي احتقرها
كان يوما رائدا في تطعيم الأشجار وحلم بحفظ الأصناف النادرة ثم تخلى عن حلمه.
فهمت حينها أن إرثه لم يكن

عقاپا
بل حلما منسيا سلمه لها دون أن يدري.
وقفت تحت أول شجرة أثمرت وقالت في نفسها
الأشجار اليابسة لا ټمـ,ـوت بل تنتظر من يؤمن بها.
بدأت حديثها قائلة
لقد جمعتكم اليوم لأن ما سأعلنه يمسكم جميعا بطريقة أو بأخرى.
نظرت إلى إخوتها الذين تبادلوا نظرات قلقة.

وتابعت
خلال هذه الأشهر تعلمت أن البستان ليس مجرد أرض وأشجار بل هو تاريخ ومعرفة ومستقبل. وقد اكتشفت أمرا غير نظرتي للأشياء بالكامل.
فتحت الملف وأخرجت الصورة القديمة التي كانت لوسيا قد عثرت عليها.
هذا الشاب المبتسم هو والدي إغناسيو ميندوثا في الثانية والعشرين من عمره رائد في تقنيات تطعيم الأشجار حائز على جوائز إقليمية وكان يحلم بالحفاظ على أصناف الفاكهة القديمة في منطقتنا.
مررت الصورة ليتمكن الجميع من رؤيتها.
كانت الدهشة واضحة على وجهي راؤول وخافيير.
قالت

1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى