
تزوّجت المرأة التي كانت بغداد كلها تسخر من وزنها… وفي ليلة الزفاف اكتشفت أن جسدها يخفي سرًّا دمّر عائلتي بالكامل.
لا تفتحي قلتُ لإنعام.
نهضت من السرير بخوف قديم، خوف لا يولد في ليلة واحدة، بل يُربّى داخل الإنسان لسنوات. كانت يداها ترتجفان، لكن ليس بسببي. كانتا ترتجفان بسبب صوت أبيها.
إذا لم أفتح، سيجعلهم يكسرون الباب همست.
فليكسره إذًا.
تكررت الطرقات الثلاث.
مهند قال الحاج فاضل من خلف الباب لا تجعل ما حُسم بالفعل أكثر صعوبة.
شعرت أن شيئًا داخلي انكسر.
حتى تلك الليلة كنت أعيش مطأطئ الرأس حتى تتنفس أمي يومًا إضافيًا. لكن عندما رأيت ذلك السوار الذي يحمل اسم عائلتي، فهمت أن طاعتي لم تُنقذ أحدًا.
لقد كانت فقط تُطعم الوحش.
وقفت إنعام أمام الباب.
أبي اذهب.
ساد الصمت.
ثم جاءت ضحكة منخفضة.
الآن فقط صار لديكِ صوت؟
أغلقت عينيها كأن سماعه يؤلمها، لكنها لم تبتعد.
مهند يعرف كل شيء.
هو لا يعرف شيئًا ردّ وإذا أراد أن تستيقظ أمه غدًا وهي ما تزال متصلة بالأوكسجين، فمن الأفضل أن يبقى جاهلًا.
اقتربت من الباب.
افتح يا حاج. لكن ادخل وحدك.
دار القفل ببطء.
ظهر الحاج فاضل بالابتسامة نفسها التي كان يضعها في الزفاف، أنيقًا، بلا ذرة خجل.
وخلفه في الممر رأيت رجلين.
لم يكونا من عمّال الفندق.
كانا الرجلين نفسيهما اللذين يراقبان العمال في المشاريع عندما يطالب أحدهم بأجره.
انظروا فقط قال وهو يدخل عامل البناء صار يظن نفسه زوجًا.
ماذا فعلتمبأخي؟
اختفت ابتسامته لثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
كان على أمك أن تربيك بشكل أفضل. الفقراء يعيشون لأنهم يتعلمون ألا يطرحوا الأسئلة.
أطلقت إنعام أنينًا منخفضًا.
يكفي يا أبي.
نظر إليها باشمئزاز.
اخرسي. كل هذا بسببكِ. لأنكِ لم تموتي عندما كان يجب أن تموتي.
التفتُّ نحوها.
انكمشت إنعام، ولأول مرة لم أرَ المرأة التي كان الجميع يهينونها بسبب وزنها.
رأيت طفلة محبوسة داخل جسد تعلّمت أن تكرهه.
قوليها أنتِ طلبت منها إنعام قولي لي.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم رفعت الفستان قليلًا لتُظهر الندبة التي تعبر بطنها، سميكة، ملتوية، كجذر محترق.
كان عمري ثمانية عشر عامًا. مرضتُ في كليتيّ. كنت أحتاج زراعة عاجلة. أبي بحث في كل مكان، لكنه لم يُرد انتظار الدور. ولم يُرد أن يبقى مدينًا لأحد. كان يريد شراء حياة.
أصدر الحاج فاضل صوتًا ساخرًا بلسانه.
درامية كعادتكِ.
أخبره طبيب من مستشفى حكومي عن طفل مطابق للحالة أكملت طفل وُلد في اليوم نفسه الذي وُلدتَ فيه أنت. كان اسمه مصطفى كاظم.
الاسم اخترقني.
مصطفى.
لم أتذكر وجهه.
لم أتذكر صوته.
لكن دمي تذكّره.
شعرت بألم كأن أحدهم ينتزع شيئًا حيًا من داخلي.
كان توأمي قلت.
هزّت إنعام رأسها وهي تبكي.
أمك أنجبت طفلين. قالوا لها إن مصطفى مات بسبب مضاعفات. وسلّموا أباك صندوقًا مغلقًا. لكن مصطفى كان حيًا. أخرجوه من المستشفى بأوراق مزوّرة.
اندفعت نحو الحاج فاضل، لكن أحد رجاله دخل وضربني في معدتي.
سقطت على ركبتيّ بلا هواء.
صرخت إنعام.
انحنى الحاج فاضل نحوي.
أخوك كان ضعيفًا. كان سيموت عاجلًا أو آجلًا. أما ابنتي فكانت تملك اسمًا، ومستقبلًا، وأملاكًا.
كان طفلًا! صرخت.
كان فرصة.
صفعته إنعام.
امتلأت الغرفة بصوت الصفعة.
ولم يتحرك أحد.
رفع الحاج فاضل يده ليضربها، لكنني اندفعت من الأرض وأمسكت معصمه.
ركلني الحارس في أضلعي.
سمعت صوت شيء يتكسر، لكنني لم أتركه.
لن تلمسها قلت وفمي مليء بالدم أبدًا.
ركضت إنعام نحو الطاولة الصغيرة قرب السرير، وأخرجت دفترها وفتحته بعصبية.
بين الصفحات كانت هناك نسخ ملفات، وصور، وأسماء، وتواريخ، وتواقيع أطباء، وإيصالات.
لم يكن مصطفى وحده قالت أبي بنى مستشفيات وعيادات ومؤسسات. وخلف كل مشروع كان هناك أطفال بلا أوراق، وعمّال موتى، ونساء مهددات. احتفظت بكل شيء.
شحُب وجه الحاج فاضل.
أعطيني هذا.
لا.
إنعام أحذركِ.
نزعت السوار من كاحلها ورفعته.
هذا لم يكن مجرد ذكرى. كان مفتاحًا. بداخله ذاكرة إلكترونية. الممرضة التي اعتنت بي أخفتها هنا قبل أن تختفي. احتجت سنوات حتى أفهم ذلك.
اقترب الحاج فاضل منها خطوة.
وفجأة دوّى طرق آخر على الباب.
أقوى هذه المرة.
ثم جاء صوت امرأة
شرطة التحقيق. افتحوا الباب.
لأول مرة في حياتي رأيت الخوف في عيني الحاج فاضل.
نظرت إليّ إنعام وهي ترتجف.
سامحني يا مهند. عندما وافقت على الزواج منك، لم يكن فقط لأنني أطيعه. كنت أحتاج أن أقرّبك من الحقيقة. أرسلت الملفات أمس قبل الزفاف. لم أكن أعلم إن كانوا سيصدقونني.
انفتح الباب بعنف.
دخل عناصر الشرطة، ومعهم مدعية ترتدي سترة داكنة، ومسعفان.
حاول الحاج فاضل أن يرفع يديه بكرامة، كأن هناك سوء فهم.
أنا فاضل السامرائي. أجروا اتصالًا واحدًا فقط وسننهي هذا.
نظرت إليه المدعية دون أن ترمش.
أجرينا عدة اتصالات بالفعل. لذلك نحن هنا.
قُيّد رجاله بالأصفاد.
أما الحاج فاضل فظل يتحدث عن النفوذ، والقضاة، وأصدقائه في الحكومة.
لم يجبه أحد.
وعندما وضعوا الأصفاد في يديه، التفت نحو إنعام.
من دوني أنتِ لا شيء.
كانت تبكي، لكنها لم تُنزل عينيها.
من دونك سأعرف أخيرًا من أكون.
أخرجوه من الجناح وسط أضواء الكاميرات التي كانت تنتظر في الأسفل.
الزفاف الذي رتّبه لإذلالنا انتهى بسقوطه.
بقيت جالسًا على الأرض، أضلعي تحترق وقلبي ممزق.
جثت إنعام أمامي.
اكرهني قالت من حقك.
نظرت إليها.
في عينيها كان هناك ذنب، نعم.
لكن كان هناك أيضًا طفلة عاشت سنوات كاملة بعضو مسروق داخل جسدها، وهي تسمع يوميًا أن حياتها أغلى من حياة الآخرين.
هل كنتِ تعرفين وقتها؟
لا. قالوا لي إنها تبرع مجهول. وبعد سنوات وجدت أوراقًا. واجهت أبي. حبسني ثلاثة أشهر في مصح وقال إنني مجنونة. ومنذ ذلك





