قصص قصيرة

وقّع طلاقها وهي بين الحياة والموت… ولم يكن يعلم أن الورقة نفسها ستسقط إمبراطوريته!

في تلك الأمسية أجبرت نفسي على النهوض من السرير. أعادوني على كرسي متحرك إلى أمام وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة هذه المرة عن قصد. توسلت إلى عامل النقل أن يتوقف ولو لبرهة. تردد عندما رأى اليأس في عيني ثم خفف سرعته.
جف حبر أوراق الطلاق في ممر من ممرات المستشفى تفوح فيه رائحة المطهر الصناعي ممزوجة بأثر معدني خافت للدم. خلف الأبواب المزدوجة لمنطقة الجراحة كنت ممددة فاقدة الوعي جسدي مخيطا بعد عملية قيصرية طارئة أنقذت ثلاث أرواح ولدت قبل أوانها لكنها كادت تطفئ حياتي أنا.
كانت الأجهزة تطن. أضواء حمراء تومض في عتمة وحدة العناية المركزة. وفي زاوية من تلك القلعة المعقمة كانت ممرضة تهمس بدعاء أمام شاشات مراقبتي.
في الخارج كان أليخاندرو فيالبا يعدل أكمام بدلته الإيطالية ثم تناول قلم محاميه ووقع اسمه دون أدنى ارتجاف.
قبل عشر دقائق كان قلبي قد توقف. لم يسأل أليخاندرو إن كان أطفاله يتنفسون بمفردهم. لم يسأل إن كانت المرأة التي أقسم أن يحبها حتى الموت ستستيقظ. لم يطرح على المحامي سوى سؤال واحد
ما أسرع طريقة لإنهاء هذا
جاء الجواب بسيطا فوريا وصامتا. تماما كما كان يحب أن تكون صفقاته.
خرجت طبيبة وقد ارتسم الإرهاق على وجهها.
سيد فيالبا زوجتك في حالة حرجة قالت وهي تنزل كمامتها إنها تحتاجإلى
لم أعد زوجها قاطعها أليخاندرو وأغلق الحافظة الجلدية بفرقعة دوت كطلقة في الممر. كان صوته هادئا يكاد يكون ملولا حدثوا عائلتها.
أنا لا أفهم تمتمت الطبيبة لا يوجد قريب آخر مسجل.
توقف أليخاندرو نصف ثانية وألقى نظرة على ساعته الفاخرة ثم أومأ كما لو أن ذلك يحل كل شيء.
إذن حدثوا الملف.
استدار ومضى وأحذيته اللامعة ترسم إيقاعا باردا على أرضية مستشفى أنخلس في مدينة مكسيكو مارا أمام صور لرضع مبتسمين وآباء يفيضون بالأمل بدت وكأنها تسخر من الصفقة التي أبرمت للتو. خلفه كان ثلاثة أطفال يكافحون من أجل الهواء داخل حاضنات شفافة أيتاما من الأب وهم ما زالوا أحياء.
مع حلول الصباح التالي كنت سأستيقظ مطلقة بلا تأمين صحي ومجردة قانونيا من الحماية. أما أليخاندرو فكان يهبط بالمصعد نحو المرآب السفلي حيث كانت سيارته مرسيدس السوداء بانتظاره والمحرك يعمل.
تفحص هاتفه. أضاءت الشاشة رسالة من إيزابيل نونييث
هل انتهى الأمر
أجاب بكلمة واحدة
نعم.
وبينما كانت السيارة تشق طريقها وسط ازدحام باسيو دي لا ريفورما ارتسمت على وجه أليخاندرو ابتسامة خفيفة بالكاد ترى. كان التوقيت مثاليا. لا معارك حضانة محرجة ولا زوجة هشة تشتت تركيزه. بعد ستة أسابيع ستدخل شركته أهم جولة استثمار في تاريخها. المستثمرون يريدون قوة لا عاطفة. يريدون رجلا يقطع الروابط دون تردد.
في الأعلى داخل وحدة العناية المركزة وضعت ممرضة بحذر يدي المرتجفة والفاقدة للوعي على زجاج إحدى الحاضنات. كان الأطفال أحياء لكن بصعوبة. تحركت شفتاي في حلم غامض اعتذارا صامتا لأبناء لم أعرفهم بعد.
ما لم يكن يعلمه أحد في ذلك الممر لا الأطباء ولا المحامون ولا حتى أليخاندرو أن اللحظة التي وقع فيها تلك الأوراق أطلقت سلسلة من العواقب ستفكك كل ما ظن أنه يملكه. المرأة التي محاها للتو كانت على وشك أن تصبح أخطر خطأ في حياته.
استيقظت على صوت إنذار غريب وشعور بفراغ في جسدي كأن شيئا حيويا قد انتزع مني. كان حلقي جافا كالرمل ورأسي ملفوفا بضباب كيميائي كثيف. للحظة مرعبة لم أتذكر أين أنا ولا لماذا لا أستطيع تحريك ساقي.
ثم عاد الألم طعنة حادة في بطني انتزعت مني شهقة.
اقتربت ممرضة بسرعة.
اهدئي همست لقد مررت بالكثير.
أطفالي تمكنت من قولها بصوت مبحوح أين أطفالي
ترددت الممرضة ثانية واحدة لكنها كانت كافية ليخترق الرعب صدري.
هم في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة. أحياء. يقاتلون. إنهم صغار جدا لكن حالتهم مستقرة في الوقت الحالي.
ضربني الارتياح بقوة جعلت الغرفة تدور. سالت الدموع ساخنة على صدغي.
هل يمكنني رؤيتهم
أشاحت الممرضة بنظرها.
هناك بعض الأمور التي علينا مراجعتها أولا.
دخل رجل لا أعرفه. لم يكن طبيبا. كان يحمل جهازا لوحيا وبطاقة تعريف كتب عليها الإدارة.
السيدة فيالبا بدأ ثم صحح ببرود الآنسة باركر. الغرفة 202.
كان التصحيح أشد إيلاما من الجراحة.
طرأ تغيير على حالتك المدنية تابع كأنه يقرأ نصا محفوظا تم إنهاء طلاقك فجر اليوم.
حدقت إليه مقتنعة أن المورفين يجعلني أتوهم.
هذا مستحيل. كنت فاقدة الوعي.
نعم أجاب وهو يلمس الشاشة لكن الإجراء كان ساريا. تفويضات موقعة مسبقا للطوارئ.
بدأ قلبي يخفق بعنف.
أليخاندرو لم
بل فعل. أدار الجهاز نحوي. كانت توقيعات أليخاندرو تحدق بي من الشاشة ثابتة متعجرفة. أسفلها اسمي مطبوعا مصرحا به منفذا. كل شيء دقيق. كل شيء نهائي لم تعودي مشمولة بتغطية السيد فيالبا. أعيد تخصيص غرفتك. القرارات الطبية الخاصة بأطفالك قيد المراجعة بسبب مسائل الحضانة وتوضيح الوضع المالي.
إنهم أطفالي همست وهو
ذلك قيد التحديد.
بعد رحيله نقلوني إلى غرفة أصغر بلا نوافذ. أعطوني بطانية رقيقة ونماذج مالية بالكاد استطعت قراءتها وسط دموعي.
بعد ساعات مررت أمام وحدة العناية المركزة. ثلاثة أجساد ضئيلة تحيط بها الأسلاك. كانت صدورهم ترتفع وتنخفض بإيقاع غير منتظم. مددت يدي نحو الزجاج لكن الكرسي واصل حركته.
في تلك الليلة أدركت الحقيقة لم يطلقوني فحسب. لقد تخلوا عني.
كان أليخاندرو فيالبا

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى