قصص قصيرة

سخروا منها حين حشَت جدران كوخها بالصوف… ثم جاء الشتاء الذي أباد الجميع إلا هي

لها ما تريد.
قرأت إنغريد الرسالة، ثم طوتها ووضعتها في جيبها إلى جانب الرسالة السابقة التي لم تجب عنها بعد. ثم نظرت إلى بيتر والد، وسألته إن كان يعرف كيف يركب الصوف بين الجدران المزدوجة. قال الرجل إنه لم يفعل ذلك قط، لكنه يستطيع أن يتعلم. فأومأت إنغريد وقالت إنها إذن ستحتاج إلى مساعدته. وخرج الثلاثة إنغريد، وبيتر والد، وتوماس آرنسون، الذي أصر على المضي معهم رغم أن يديه كانتا لا تزالان ملفوفتين بالصوف، وأصابعه بالكاد تستجيب للمس.
كانوا يجرون كيسين من صوف الفضلات على زلاجة مرتجلة بناها بيتر في ذلك الصباح من ألواح بقيت من الحظيرة. وكانت المسافة إلى مزرعة كروفت أربعة كيلومترات في الظروف العادية. لكنهم استغرقوا ساعتين من الصراع مع ريح ټضرب أفقيًا، وثلج مضغوط يصل في بعض المواضع إلى الخصر. وكانت إنغريد تسير في المقدمة وترسم الإيقاع، ووجهها مغطى، وبصرها مثبت على الأفق الأبيض، مسترشدة بالقليل من معالم الأرض التي أمكنها تمييزها تحت الثلج.
لم تسمح لنفسها بأن تفكر في البرد. لم تفكر إلا في الخطوة التالية، ثم التي بعدها. كانت تلك هي المنهجية نفسها التي اتبعتها منذ أكتوبر أن تختزل المشكلة إلى أصغر وحدة يمكن إدارتها، ثم تتعامل مع هذه الوحدة فقط، حتى تصبح التالية ضرورية. وكانت مزرعة كروفت غير قابلة للتعرف إليها. كانت الحظائر مملوءة بالحيوانات المېتة في أوضاع جعلها البرد تماثيل مشوهة، بأرجل جامدة وعيون مفتوحة تغطيها طبقة جليد شفافة.
وكانت الرائحة، حتى عند تلك الدرجة من البرودة، هي رائحة الهزيمة، شيء عضوي وحاسم يختلط بجفاف الهواء البارد ويصل إلى عمق الرئتين مع كل نفس. واستقبلهم كروفت على باب البيت الرئيسي بملامح لم ترها فيها إنغريد من قبل. لم تكن تعاليه المعتاد، ولا ثقة الرجل الناجح المصطنعة. بل كان وجه شخص رأى في ثمانٍ وأربعين ساعة اليقين الذي بنى عليه هويته كلها يختفي.
كان، ببساطة، وجه رجل أدرك للتو أنه كان مخطئًا في شيء أساسي، وأن ذلك الخطأ كانت له عواقب حقيقية لا رجعة فيها. لم يقل شيئًا حين رآهم يصلون، بل تنحى جانبًا ليدعهم يدخلون. وعملت إنغريد ست ساعات في مزرعة كروفت. شرحت له الطريقة بالصبر نفسه الذي شرحت به لمارثا غيل، من غير قسۏة، ومن غير تلك اللذة الصغيرة المفهومة في إثبات أنك كنت على حق لمن سخر منك.
لم يكن ذلك هو الوقت المناسب، ثم إنه لم يكن من طبعها أصلًا. ركبت الصوف في الإسطبل الذي ما تزال فيه حيوانات حية، تلك التي نجت لأنها كانت في الجزء الأكثر حماية من البناء. وشرحت كل خطوة، وأجابت عن كل سؤال، وصححت أخطاء كروفت وعماله بجمل قصيرة دقيقة. وفي نهاية الساعات الست، أصبح في الإسطبل طبقة صوف مضغوطة بسماكة تسعة سنتيمترات في الجدارين الشمالي والغربي، وهما الجداران اللذان يتلقيان أقسى الرياح، وارتفعت الحرارة الداخلية أربع درجات خلال أقل من ساعة.
قاس كروفت ذلك بمقياس حرارته الخاص، ذلك الكبير الزجاجي الذي كان معلقًا قرب باب الإسطبل، وظل يحدق في الرقم لوقت لم تحاول إنغريد أن تقطعه. ثم قال، من دون أن ينظر إليها، بصوت رجل يتعلم نطق كلمة في لغة لا يجيدها، إنه مدين لها باعتذار. جمعت إنغريد أدواتها، وقالت إنه مدين لها بمزيد من صوف الفضلات، ثم خرجت.
وكانت العودة إلى الكوخ أصعب من الذهاب. فقد تغير اتجاه الريح وصار يضربهم في وجوههم، يضغط على الصدور بقوة تجعل كل خطوة تفاوضًا بين الجسد والبرد. وكان آرنسون يمشي خلف إنغريد ويداه الملفوفتان مضغوطتان إلى صدره، فيما كان بيتر والد يجر الزلاجة الفارغة الآن بتعبير من تركيز كامل لا يتيح مجالًا لأي فكرة أخرى. ولم يتكلم أحد في طريق العودة الذي يبلغ أربعة كيلومترات. لم يكن هناك ما يمكن أن يُقال ولا تختطفه الريح فورًا.
وحين وصلوا إلى الكوخ وأغلقوا الباب خلفهم، بدا الصمت النسبي في الداخل كشيء يكاد يكون مقدسًا بعد هدير الخارج المتواصل. خلعت إنغريد طبقات ملابسها واحدة واحدة، وعلقتها قرب الموقد لتجف، ثم فحصت الجدران براحتَيها الممدودتين كما كانت تفعل كل صباح. كان الصوف يصمد. وكان الهواء المحبوس بين الألياف ما يزال ساكنًا ودافئًا. وفي الخارج، كان أكثر شتاء فتكًا في تاريخ مونتانا يواصل عمله.
وفي الداخل، في ذلك الكوخ الذي رفضه الجميع، ظلت الحياة ممكنة.
وجاء الربيع في مارس بخجل يناقض ۏحشية الشتاء الذي سبقه، كما لو أن العالم يحتاج إلى وقت ليتذكر كيف يكون رحيمًا بعد أن كان قاسيًا إلى هذا الحد طوال هذه المدة. وبدأ الثلج يتراجع ببطء، كاشفًا عن سهل بدا مختلفًا، لا في جغرافيته، بل في صمته. كانت المزارع الكبيرة ساكنة، لأنه لم يعد فيها حيوان يملؤها بالصوت.
لم يعد هناك خوار، ولا صهيل، ولا ذلك الضجيج الدائم لحركة الماشية الذي كان يحدد إيقاع كل يوم في الإقليم. كانت صناعة الماشية في مونتانا قد فقدت في ذلك الشتاء ما بين ستين وتسعين في المئة من رؤوسها، بحسب كل مزرعة. وكان الرجال الذين بنوا ثرواتهم على تلك الصناعة يمشون في وحل مارس بذلك التعبير الخاص جدًا لمن يعيدون حساب كل شيء من الصفر.
وفي أول يوم من مارس خرجت إنغريد من كوخها ومعها نعاجها الاثنتا عشرة الحية، وتركتها تسير في السهل الرطب، بينما وقفت هي عند الباب تنظر إلى الأفق الذي لم يعد للمرة الأولى منذ شهور تهديدًا، بل مجرد أفق. كانت النعاج ترعى في صمت. وكانت الشمس ضعيفة، لكنها حقيقية. وفي جدران الكوخ خلفها، غير المرئية من الخارج، كان صوف جدتها أستريد ما يزال في مكانه،
سليمًا، محتفظًا بحرارة جسد لم يعد بحاجة إلى تلك الحماية بقدر ما كان من قبل.
وفي الأسابيع التالية، تغيّر شيء في الطريقة التي صار الإقليم ينظر بها إليها. ولم يكن التغيير دراميًا ولا فوريًا، لأن التغيرات الحقيقية لا تكون كذلك أبدًا. لقد كان تدريجيًا، تراكميًا، مبنيًا من إيماءات صغيرة إذا اجتمعت صنعت شيئًا مختلفًا عن السابق. جاء بيتر والد مع ابنه الأكبر يطلبان منها أن تعلمهما الطريقة كاملة ليطبقاها في كوخهما قبل الشتاء التالي. وذكرتها مارثا غيل في رسالة كتبتها إلى أختها في إلينوي، ووصفت فيها شتاء ذلك العام ونجاة إنغريد بتفصيل وإعجاب لم تعرف إنغريد بهما إلا بعد شهور.
وحين قرأت مارثا رد أختها بصوت مرتفع، وصلت إلى باب إنغريد ثلاث عائلات فقدت حيواناتها، وفي حالة واحدة أحد أفرادها، خلال الشتاء، لا بشفقة هذه المرة، بل بأسئلة عملية ومواد في أيديها، مستعدة للتعلم. أما إلياس كروفت، الذي لم ينطق يومًا باعتذار كامل واضح، لأن ذلك النوع من التواضع كان يحتاج إلى عضلة لم يكن قد دربها قط،
فقد بدأ بصمت يوزع صوف الفضلات الناتج عن الجز على صغار المستوطنين في المنطقة، من غير تفسير علني، كما لو أن الأمر مجرد قرار تجاري، لا اعترافًا متأخرًا بدين أخلاقي. وعرفت إنغريد ذلك، لكنها لم تقل شيئًا. فبعض الانتصارات

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى