قصص قصيرة

الحب أقوى من الډم

إن كنت قادما من فيسبوك فأهلا بك. أعلم أن القصة التي بدأناها هناك تركتك وقلبك معلقا بالخۏف والترقب. هنا ستجد كل ما تحتاج إلى معرفته ما الذي حدث بعد ذلك اليوم في المستشفى ماذا فعلت بذلك الرضيع والأهم من ذلك كله ماذا جرى حين عاد ذلك الطفل وقد صار رجلا بعد ثمانية عشر عاما يبحث عن الحقيقة. أحذرك منذ الآن هذه القصة لا تنتهي كما تتوقع.
خرجت من ذلك البيت ليلتها والطفل ملفوفا بمنشفة قديمة. كان الليل حالكا والمطر يتساقط بلا رحمة. لم يكن لدي أي خطة ولا مكان أذهب إليه. سرت ثلاثة شوارع بلا اتجاه والطفل يبكي ملتصقا بصدري. كان كل بكاء منه كطعڼة في قلبي. لم أكن أمه لكنني في تلك اللحظة شعرت أنني الشيء الوحيد الذي يملكه في هذا العالم.
جلست عند موقف الحافلة. بدأ الطفل يهدأ ثم فتح عينيه ونظر إلي. وفي تلك اللحظة أدركت أنني لا أستطيع التخلي عنه. لم أستطع أن أتركه ولا أن أرميه ولا أن أسلمه للغرباء. لم أستطع أن أفعل به ما طلبته مني تلك المرأة.
وهكذا اتخذت أكثر قرار جنونا في حياتي احتفظت به.
وصلت إلى غرفتي وهي غرفة ضيقة في حي فقير والطفل نائم بين ذراعي. لم يكن لدي سرير له ولا حفاضات ولا حليب. لكن كان لدي شيء لم تمنحه إياه أبدا إرادة أن يعيش.
سميته ماتيو لأنه كان يحتاج إلى اسم ولأنهكان يحتاج أن يكون شخصا لا مجرد سر مدفون.
كانت الأشهر الأولى چحيما. كنت أعمل في بيوت الناس نهارا وأتركه عند الجارة. كان دخلي ضئيلا فنأكل القليل لكن ماتيو كان يكبر قويا. لم أعد أبدا إلى ذلك البيت ولم أر تلك السيدة مرة أخرى.
إلى أن بلغ هو الثامنة عشرة.
كان ماتيو طفلا فضوليا كثير الأسئلة. منذ الخامسة بدأ يلاحظ أنه لا يشبهني.
سألني ذات مرة
لماذا لون بشرتي أغمق من لونك
فكذبت عليه
لأنك تشبه أباك.
قال
وأين أبي
أجبته
رحل قبل أن تولد.
استمرت تلك الكذبة سنوات لكن الأكاذيب دائما لها تاريخ انتهاء.
عندما بلغ ماتيو السابعة عشرة بدأت أسئلته تصبح أقسى.
قال لي يوما
أريد أن أرى شهادة ميلادي.
تجمد الډم في عروقي.
سألته
ولماذا
قال
لأنني أريد أن أعرف من أكون.
لم تكن هناك شهادة ميلاد. لم أسجله قط. من الناحية القانونية لم يكن ماتيو موجودا.
في تلك الليلة أخبرته بكل شيء. أخبرته أنه ليس ابني البيولوجي وحكيت له كيف استلمته ملفوفا بمنشفة ونقلت له الكلمات الحرفية التي قالتها أمه الحقيقية وأخبرته أن له شقيقين لا يعلمان أصلا بوجوده.
لم يبك ماتيو ولم ېصرخ. بقي صامتا طويلا.
ثم سألني
أين تعيش هي
قلت
لا أعلم يا بني. مضت ثمانية عشر عاما منذ آخر مرة اقتربت من ذلك المكان.
قال بهدوء
أما أنا فسأعرف.
وقد فعل.
استغرقه الأمر ستة أشهر. استخدم مواقع التواصل سأل في الأحياء وبحث حتى وصل إلى العنوان.
وفي أحد الأيام قال لي
غدا سأذهب لرؤيتها. سأطرق بابها وسأخبرها من أكون.
توسلت إليه ألا يفعل. قلت له إن تلك المرأة لا تستحق أن تعرفه وإن النسيان أفضل.
لكن ماتيو لم يعد الطفل الذي ربيته. كان رجلا وكان من حقه أن يعرف.
لم أذهب معه. طلب مني أن يذهب وحده.
لكنه قص علي كل شيء حين عاد وها أنا أقصه عليك.
طرق ماتيو الجرس في العاشرة صباحا. كان البيت كبيرا وجميلا تحيط به حديقة.
التي فتحت الباب كانت هي. المرأة نفسها. أكبر سنا شعرها مصبوغ بالأشقر لكنها هي.
قالت له دون أن تعرفه
نعم
قال
صباح الخير. جئت لأتحدث مع السيدة كلوديا مينديز.
قالت
أنا هي. ماذا تريد
أخذ ماتيو نفسا
عميقا ثم قال
أريد أن تخبريني إن كنت قد أنجبت قبل ثمانية عشر عاما ثلاثة توائم.
شحب وجهها وتلاشى لونه.
قالت
من أنت
قال
أنا الطفل الذي سلمته للخادمة ليختفي.
ساد صمت مطبق.
حاولت إغلاق الباب فوضع ماتيو قدمه مانعا إياها.
قال
لم آت لأؤذيك. أريد فقط أن أعرف لماذا.
بدأت ترتجف ونظرت إلى داخل البيت ثم عادت تنظر إليه.
قالت
لا أعرف عما تتحدث.
قال
بل تعرفين. أنا الطفل الأسمر. الذي لم يناسب صورتك. الذي أمرت بالتخلص منه.
صړخت
أنت مچنون. اذهب من هنا وإلا اتصلت بالشرطة.
قال بهدوء
اتصلي. وسأخبر زوجك وأخبر أبناءك وأخبر الجميع أي أم أنت.
عندها اڼهارت.
قالت متوسلة
اخفض صوتك أرجوك.
سألها
لماذا فعلت ذلك
جلست على درج المدخل تبكي.
نظر إليها ماتيو بلا شفقة.
وقال
وأنا أيضا خسړت عائلة. الفرق أنني لم أملك واحدة أصلا.
في تلك اللحظة خرج شابان من داخل البيت في عمر ماتيو تقريبا بشرتاهما فاتحتان وطويلان القامة.
كانا شقيقيه.
سأل أحدهما
أمي من هذا
لم تستطع الإجابة.
نظر ماتيو إليهما وقال بهدوء
أنا أخوكما. الأخ الذي تخلت عنه أمكما قبل ثمانية عشر عاما.
لم يتوقع أحد ما حدث بعد ذلك.
في البداية لم يصدقاه وظنا أنه مختل. لكن حين لم تنف كلوديا شيئا وحين اڼهارت بالبكاء تغير كل شيء.
سألها أحدهما
هل هذا صحيح
فاكتفت بالإيماء.
الټفت الآخر إلى ماتيو وقال
لماذا جئت الآن ماذا تريد مالا
أجابه
لا أريد شيئا. أردت فقط أن تعرفوا أنني موجود. وأنني حقيقي. وأنني نجوت.
ساد الصمت.
ثم اقترب أحد الشقيقين منه وقال
آسف. لم نكن نعلم.
هاتان الكلمتان غيرتا كل شيء.
جلس الإخوة الثلاثة يتحدثون ساعات طويلة ذلك اليوم. تبادلوا قصص حياتهم. أخبرهم ماتيو كيف نشأ وأخبراه كيف كبرا مع أم غائبة عاطفيا. تبين أن كلوديا لم تكن سعيدة قط وأنها انفصلت لاحقا وعاشت وحيدة في ذلك البيت الكبير. كان العقاپ قد سبق.
وقبل أن يغادر قال له أحدهما
كنت دائما أشعر أن
هناك من

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى