قصص قصيرة

حين طلب المليونير من ابنه اختيار أمٍّ جديدة… لم يتوقع أن يشير إلى الخادمة!

ارتفعت فيلا إدواردو ميندوزا فوق منحدرات ماربيا كأنها حلم رخامي نوافير باروكية تهمس بالماء حدائق تبدو وكأنها لوحات مرسومة وبحر متوسط لا نهاية له يشهد على كل شيء. كان إدواردو لمن يعرف قصته الرقم الفعلي وراء إمبراطورية كاملة أراض تحولت إلى مساكن فاخرة عقود بملايين الدولارات واجتماعات في مكاتب زجاجية موزعة على ثلاث قارات. امتلك كل ما يمكن للمال أن يشتريه باستثناء شيء واحد بدأ يثقل قلبه شيئا فشيئا ابتسامة ابنه دييغو الصادقة.
كان دييغو في السادسة من عمره. توفيت والدته وهو لا يزال رضيعا وبأفضل نوايا الأب المادية أحاطه إدواردو بكل سبل الراحة مربيات منازل في مدن مختلفة بحسب العمل وألعاب باهظة الثمن تحمل أسماء أشهر الماركات. لكن الغياب الأعمق لا يمكن أن يملأ بالهدايا. كان الصبي يسأل عن والدته ويسأل لماذا ينتظر أمهات الأطفال الآخرين أبناءهن بعد المدرسة بينما لا ينتظره أحد ولماذا يبدو كل شيء في المنزل مرتبا ورسميا لكنه في الوقت نفسه بارد وخال من الدفء. كانت تلك الأسئلة البسيطة الصادقة تصيب قلب إدواردو بقوة تفوق أقسى قراراته التجارية.
وفي أحد أيام الأحد من شهر سبتمبر بينما كانت الفيلا تتلألأ تحت ضوء الشمس قررإدواردو أن يعالج الأمر بالبرودة نفسها التي يعالج بها استثماراته. فعبر وكالته الموثوقة اختار خمس شابات كاملات الشكل والتعليم يصلحن لأن يصبحن السيدة ميندوزا الجديدة. كن عارضات شهيرات ترتدي كل منهن ما يفوق الأخرى أناقة بسير ذاتية مصقولة ووجوه اعتادت ومضات الكاميرات. كانت الفكرة سخيفة في قلبه لكنها منطقية في عقله أن يترك لابنه حرية الاختيار ببراءة طفل بعيدا عن أي تحيز اجتماعي وأن يكون هذا الاختيار هو ما يحدد مستقبل العائلة. لقد كان ينظم حياته العاطفية كما لو كانت مشروعا عقاريا جديدا.
لكن ما لم يتوقعه أحد وما لم تحسب له أي خطة كان كارمن. كارمن غارسيا وصلت إلى الفيلا قبل ستة أشهر فقط عاملة تنظيف. جاءت من قرطبة من طفولة مثقلة بفقد والديها ومن شجاعة دفعتها إلى البحث عن فرصة بعيدا عن موطنها. كانت ترتدي ملابس بسيطة شعرها مرفوع في كعكة ومئزر العمل يغطي ثيابها ويداها تعرفان كيف تنظفان وكيف تمنحان الحنان في الوقت نفسه. ومنذ يومها الأول كان في داخلها شيء نزع أسلحة قلب دييغو بلا جهد. لم تكن ألعابا باهظة ولا كلمات منمقة بل كانت القصص التي تقرؤها له أثناء استراحة عملها والبسكويت المنزلي الذي تقدمه له والطريقة التي تنحني بها لتسمع مخاوفه الصغيرة دون استعجال.
وفي ذلك اليوم بدا المشهد في غرفة الفيلا الرئيسية أشبه بموقع تصوير سينمائي العارضات الخمس في وضعيات مدروسة إدواردو يشرح الاتفاقيات ودييغو في الوسط مرتديا سترته الزرقاء الصغيرة يبدو في مزيج من الارتباك والخجل. وكانت كارمن تراقب من زاوية الغرفة وهي تطوي صينية وقلبها يرتجف فهي رغم عملها في المنزل لم تكن تريد التدخل. وبلا أي استعراض أو تفكير مسبق نظر الصبي إلى النساء واحدة تلو الأخرى وكأنه يختبر لعبا جديدة. ثم وبعفوية طفل في السادسة أشار إلى كارمن وقال أريدها يا أبي. أريد كارمن أن تكون أمي.
خيم صمت كأن القرية كلها حبست أنفاسها. العارضات اللواتي اعتدن أن يكن محور الاهتمام أدركن لأول مرة أن الكمال الخارجي وحده لا يكفي. أما إدواردو فشعر بوخزة خجل وببرد يجري في عروقه. كيف سمح لنفسه أن يصل إلى هذا الحد وكيف يسمح لطفله بأن يختار امرأة لا تنتمي إلى طبقته ولا تناسب مكانته بالنسبة إليه بدت تلك اللحظة وكأنها إهانة علنية لكن في الوقت نفسه اخترقت صورة ابنه وهو يركض ليعانق كارمن شيئا صلبا في داخله.
عانق دييغو ساقي كارمن كما لو أنه يعود إلى شاطئ آمن. أمسك بيدها بثقة لا يشعر بها المرء إلا مع شخص أحبه بلا شروط. وقال بين دموع الفرح هي تقرأ لي القصص وتخبز لي البسكويت وتستمع إلي عندما أخاف. قالها دون أن يدرك أنه بتلك الكلمات كان يرسم منعطفا سيغير حياة الجميع.
تسارعت عروض العارضات رحلات دروس إتيكيت شهرة هدايا. حاولن شراء محبته بوعود من عالمهن. لكن دييغو رفض برفق كل عرض وقارن بين بريق المحلات وصندوق كرتوني يلعب به في الحديقة ففضل ما تقدمه له كارمن الوقت والاهتمام والحنان. ووجد إدواردو نفسه فجأة خارج السيطرة. لم تعد للمنطق الاقتصادي معادلة أمام affection الصبي الصافي.
وبعد مغادرة النساء وقد جرحت كرامتهن بعدم اختيارهن عم في البيت صمت أكثر حميمية. دخلت كارمن مكتب إدواردو لا تزال ترتجف مما حدث. أرادت الاعتذار وشرح أنها لم تقصد إثارة أي مشكلة. لكن إدواردو وقد أصبح أكثر إنسانية من صباح ذلك اليوم طلب منها الجلوس وأخبرها بالسبب الحقيقي لخطة اليوم أنه يريد لابنه صورة أم ثابتة في حياته. وطلب منها أن تخبره عن نفسها.
تحدثت كارمن ببساطة عن قرطبة عن دور الأيتام وعن العمل الشاق وعن تعلمها صنع الحليب والبسكويت وكيف تقرأ القصص بأصوات متعددة لتجعلها أكثر سحرا. وروت كيف أنها وجدت مع دييغو شيئا لم تتوقعه

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى