
جوزي كل يوم جمعه
واطي.
مردتش عليا، كانت بتبصلي بنظرة شفقة وذهول مخلتنيش على بعضي.
وفجأة..
قامت واقفة وشدتني من معصم إيدي بكل قوتها، إيدها كانت سِقْعة زي الثلج وبترتعش
تعالي معايا حالاً!
ومن غير ما تديني فرصة أفهم، سحبتني وراها وسط نظرات الذهول من كل اللي قاعدين، وخدتني على الحمام وقفت الباب وراها..
صوتها كان بيرتعش وهي بتقولي جملة واحدة بس..
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي ركبي تخونني، ومقدرش أقف على رجلي ولولا إني سندت على الحيطة كنت وقعت من طولي..
مروة قفلت باب الحمام ووقفت قدامي، وشها شاحب وعينيها مليانة قلق.
همست بصوت واطي نورا أنا محتاجة أسألك سؤال، وجاوبيني بصراحة.
بلعت ريقي بصعوبة. خير؟
قالت إنتِ متجوزة بقالك سبع سنين صح؟
آه.
وعندكم أطفال؟
هزيت راسي بالنفي.
سكتت ثواني، وبعدين قالت أنا مش هخوفك، ومش هتهم حد بحاجة، بس الكلام اللي قولتيه عن جلسة العضم دي ملوش أي أساس طبي بالشكل ده.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
يعني إيه؟
قالت بهدوء الحوض مش بيتفتح ولا بيتقفل بالطريقة دي. ولو في مشكلة فعلًا، بيتشخصها دكتور متخصص بأشعة وفحوصات، مش كل أسبوع في البيت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
بس أحمد كان بيعمل كده عشان مصلحتي.
ممكن يكون مقتنع إنه بيفيدك، وممكن يكون ناقل معلومة غلط، وممكن يكون فيه سوء فهم كبير. عشان كده لازم نتأكد بعلم مش بكلام.
أخرجت مروة هاتفها وفتحت جدول المواعيد.
بكرة الصبح هتيجي معايا المستشفى. كشف كامل وتحاليل وأشعة. وبعدها نحكم.
رجعت البيت وأنا مشوشة.
أحمد استقبلني بابتسامته المعتادة.
انبسطتي مع أصحابك؟
بصيت له طويلًا.
آه.
لكني لأول مرة من سبع سنين حسيت إني محتاجة أفهم، مش بس أصدق.
في اليوم التالي دخلت المستشفى مع مروة.
عملت أشعة وفحوصات كاملة.
ساعات من الانتظار مرت وكأنها أيام.
وأخيرًا دخلنا مكتب استشاري العظام.
الرجل راجع الصور كلها ثم ابتسم.
مين قال لحضرتك إن عندك مشكلة في الحوض؟
جوزي.
رفع حاجبه باستغراب.
الحوض سليم تمامًا. والظهر كويس. والأشعة ممتازة.
تنفست الصعداء.
مروة سألت والطقطقة اللي كانت بتسمعها؟
ضحك الطبيب.
دي غالبًا أصوات طبيعية للمفاصل والأربطة أثناء الحركة. بتحصل مع ناس كتير.
نظرت لمروة.
يعني مفيش مصيبة؟
ابتسمت وقالت المصيبة الوحيدة إنك عايشة سبع سنين مصدقة معلومة طبية غلط.
رجعت البيت مساءً.
حكيت لأحمد كل حاجة.
في البداية سكت.
ثم فرك وجهه بإحراج وقال
أنا لازم أعترفلك بحاجة.
إيه؟
ابتسم بخجل.
أول سنة جواز كنت بقرأ كتير على الإنترنت عن آلام الظهر وقعدة الشغل. ولقيت فيديوهات لتمارين واسترخاء للمفاصل. كنت فاكر إني بساعدك.
وسبع سنين؟
كل ما كنتِ تقولي إن ظهرك اتحسن كنت بفرح وأقول الحمد لله إني نفعِت.
ضحكت رغم توتري.
وأمك؟
ضرب كف بكف.
دي حكاية تانية. أمي مقتنعة إن شوربة الكوارع بتعالج أي حاجة من الصداع لحد انقطاع الكهرباء.
انفجرت ضاحكة لأول مرة منذ يومين.
بعد أسبوع، جلسنا أنا وأحمد ومروة على العشاء.
مروة كانت تمازحه
لو عايز تشتغل دكتور عظام لازم تدرس سبع سنين الأول.
وأحمد يرد خلاص، أنا هكتفي أكون زوج بيعمل مساج محترم وخلاص.
نظرت إليه وابتسمت.
اكتشفت يومها أن المشكلة لم تكن خيانة ولا مؤامرة.
كانت مجرد معلومة خاطئة كبرت مع الوقت، وثقة عمياء لم تسأل يومًا هل ده صحيح فعلًا؟
ومن بعدها اتفقنا على قاعدة جديدة في بيتنا
أي نصيحة طبية مكانها الطبيب.
وأي حب واهتمام مكانه القلب.
مرت الشهور بعد الحادثة دي، والحياة رجعت طبيعية أكتر من الأول.
لكن كان فيه شيء واحد اتغير.
أنا بقيت أسأل.
مش اعتراضًا على أحمد، ولا شكًا فيه لكن لأن مروة علمتني إن الحب الحقيقي مش معناه إننا نصدق كل حاجة من غير تفكير.
وفي يوم جمعة، وأنا راجعة من الشغل، لقيت أحمد واقف في المطبخ بيجهز العشا.
ابتسم أول ما شافني.
أهلاً بالمديرة.
ضحكت خير؟ عامل احتفال ليه؟
رد وهو بيحرك الأكل عشان عندي مفاجأة.
رفعت حاجبي باستغراب.
ومن جيبه طلع ظرف أبيض.
ناولني إياه.
فتحته بفضول.
وفي اللحظة اللي قرأت فيها أول سطر، حسيت دموعي نزلت لوحدها.
كان جواب قبول.
برنامج تدريب إداري كبير في الشركة اللي كنت بحلم أشتغل فيها من سنين.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
إنت قدمتلي؟
هز رأسه.
لا.
أمال؟
ابتسم.
إنتِ اللي قدمتي.
إزاي؟
فاكرة يوم ما قلتي إن نفسك تكملي في المجال ده؟ قعدت أسبوعين أراجع معاكي السيرة الذاتية وأجهز الملفات.
افتكرت.
كنت فعلًا عملت كل حاجة ثم فقدت الأمل ونسيت الموضوع.
قعدت على الكرسي وأنا أبكي.
مش بسبب الوظيفة.
لكن بسبب الإحساس إن فيه حد مؤمن بيا أكتر مما أنا مؤمنة بنفسي.
بعد ستة أشهر بدأت الوظيفة الجديدة.
ولأول مرة من سنين طويلة، بقيت أرجع البيت متأخرة أحيانًا.
وكان أحمد هو اللي يستقبلني بالعشا الجاهز.
ويقول ضاحكًا
اتفضلي يا دكتورة العظام.
فأرد
وأنت يا بروفيسور الكوارع.
وفي ليلة هادئة، بينما كنا بنشرب الشاي في البلكونة، سألته
أحمد؟
نعم؟
لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمل جلسات العضم دي تاني؟
ضحك بصوت عالي.
أبدًا.
ليه؟
عشان اكتشفت إن أحسن حاجة أعملها لمراتي مش إني أصلح عضمها
سكت لحظة.
لكن إني أسمعها وهي بتتكلم.
ابتسمت وأنا أسند رأسي على كتفه.
وأدركت أن الزواج الناجح مش قائم على إن حد يعرف كل حاجة.
ولا على إن حد يكون كامل.
بل على إن الطرفين يفضلوا يتعلموا، ويغلطوا، ويصححوا أخطاءهم مع بعض.
وفي تلك الليلة، لأول مرة منذ سنوات، لم يكن هناك جلسة عضم، ولا نصائح غريبة، ولا شوربة كوارع إجبارية.
كان هناك فقط كوبان من الشاي
وقلبان اختارا أن يكملا الطريق معًا.
تمت





