
طرقت بابًا تطلب لقمة… فعرض عليها أن تكون أمًا لـ11 طفلًا وقلب حياتها للأبد
ذهبت تطلب لقمة تسد بها جوعها فأجابها كوني أما لأولادي الأحد عشر ولن تعرفي الجوع بعد اليوم. كانت هيلينا سانتوس ترتجف من الوهن وهي تمسك بآخر خيط من كرامتها. كانت قد مشت كيلومترات طويلة على طرق ترابية في ريف ولاية ميناس جيرايس وبطنها فارغ منذ ثلاثة أيام وقدماها تدميان داخل حذاء بال.
حين لمحت بيتا بسيطا من خشب فاتح اتجهت نحو الباب الأمامي. ارتجفت يداها وهي تطرق الخشب وحين سمعت خطوات تقترب ابتلعت كبرياءها الذي لازمها طوال عمرها. قالت حين فتح الباب وظهر رجل طويل يرتدي قبعة داكنة
أرجوك يا سيدي أريد فقط قطعة خبز أي شيء لم آكل منذ أيام.
تأملها جواو مينديس بصمت. لم تكن تبدو أكبر من خمس وعشرين سنة. شعر بني مرفوع في كعكة بسيطة وفستان أزرق باهت لكنه نظيف. وفي عينيها رأى اليأس نفسه الذي كان يراه في المرآة كل صباح. قال وهو يبتعد عن الباب
ادخلي.
ترددت هيلينا ثم لمحت من خلفه وجوه أطفال يراقبون من النوافذ بفضول. أطفال كثيرون. قالت وهي تدخل البيت المتواضع
لديك عائلة كبيرة.
أجاب جواو وهو يخلع قبعته ويمرر يده في شعره الداكن
أحد عشر طفلا فقدنا أمهم قبل أربعة أشهر.
كان الصمت بعدها ثقيلا. نظرت هيلينا حولها فرأت الفوضى تملأ كل زاوية ملابس مكدسة على الكراسي أطباق متسخة على الطاولة وألعاب متناثرة على الأرض. أشار جواو إلى كرسي وقال
اجلسي سأحضر لك طعاما.
اتجه إلى المطبخ فبدأ الأطفال يقتربون. كانت الكبرى وتبدو في نحو الخامسة عشرة تنظر إلى هيلينا بارتياب. أما الصغاروخاصة صبي صغير بشعر مجعد لا يتجاوز الثالثةفكانوا يختبئون خلف إخوتهم.
عاد جواو وهو يحمل طبقا من الأرز والفاصولياء وقطعة لحم. ما إن شمت هيلينا الرائحة حتى كادت تغمى عليها من شدة الجوع. تمتمت
شكرا
وبدأت تأكل ببطء محاولة الحفاظ على وقارها.
سألها جواو وهو يجلس قبالتها
ما اسمك
قالت هيلينا سانتوس.
فقال أنا جواو مينديس وهؤلاء أطفالي. وأخذ يشير إلى كل واحد منهم وهو يذكر اسمه مارسيا الكبرى ثم كارلوس وآنا وبيدرو ولويسا وميغيل وصوفيا وغابرييل وبياتريس وأنطونيو وهذا الصغير دافي صاحب الشعر المجعد.
أكملت هيلينا طعامها وهي تشعر بعيون الأطفال كلها مسلطة عليها. وحين انتهت قامت لتأخذ الطبق إلى المطبخ. قال جواو
دعيه أنا أحمله.
فأجابت لا حاجة يا سيدي لقد أحسنت إلي كثيرا.
في المطبخ رأت هيلينا كومة الأواني المتسخة ومن غير أن تستأذن فتحت الصنبور وبدأت تغسل. ظهر جواو خلفها وقال
لا حاجة لأن تفعلي هذا.
فأجابت وهي تواصل العمل
هذا أقل ما يمكنني فعله لأرد جميلك.
ظل يراقبها. كان في طريقة تحريك يديها وفي رفقها
مع كل طبق شيء أعاده إلى ذكرى زوجته الراحلة ماريا. قال فجأة
هل أستطيع أن أسألك سؤالا غريبا
توقفت هيلينا والتفتت إليه تفضل.
سألها هل لديك مكان تذهبين إليه
كان السؤال كلكمة في معدتها. خفضت عينيها وقالت لا.
قال وأهلك
أجابت بصوت خافت لم يعد لدي أحد.
تنفس جواو بعمق وكأنه يعلم أنه على وشك أن يغير حياتين إلى الأبد. قال
هيلينا أعلم أن الأمر سيبدو جنونا لكن هل تقبلين أن تبقي هنا وتعتني بهؤلاء الأطفال كأم لهم
تركت هيلينا الطبق الذي كانت تمسكه فسقط في الماء محدثا رشة.
ماذا تقول يا سيدي
قال أقول إن قبلت أن تكوني أما لأولادي الأحد عشر فلن تعرفي الجوع بعد اليوم. سيكون لك بيت وطعام وملابس وعائلة.
شعرت هيلينا أن ساقيها لا تحملانها. اتكأت على حافة المغسلة وهي تحاول أن تستوعب. قالت
لكنني لا أعرفك ولا أعرف أطفالك.
فأجاب ولا أنا أعرفك لكن انظري حولك. وأشار إلى البيت الغارق في الفوضى. هم بحاجة إلى أم وأنت بحاجة إلى مأوى. أليس هذا واضحا
سألته بتردد وهل سيكون هذا زواجا حقيقيا
تردد جواو لحظة ثم قال
سيكون ما تريدينه أن يكون. أنا لا أطلب منك أن تكوني زوجتي أطلب منك أن تكوني أما لأولادي.
نظرت هيلينا من نافذة المطبخ فرأت الأطفال يلعبون في الفناء. كان دافي قد تعثر وبكى وكان الإخوة الكبار يحاولون مواساته بلا نجاح. قالت هيلينا
هل يمكنني أن أفكر قليلا
قال بالطبع. ابقي الليلة هنا ونامي على الأمر.
في تلك الليلة نامت هيلينا على فراش مرتجل في غرفة الجلوس وهي تسمع أصوات البيت يستقر للنوم. انحدرت دموع صامتة على وجهها وهي تفكر في العرض الغريب. هي التي فقدت كل شيء ورأت عائلتها تتفتت كالرمل بين الأصابع.
في الصباح أيقظها ضجيج الأطفال وهم يركضون في البيت. قامت فرأت جواو يحاول إعداد الفطور وهو يحمل دافي على ذراعه. كانت بقية الأطفال متناثرين في المطبخ بعضهم بملابس النوم وبعضهم جاهز للمدرسة. قالت وهي تدخل
صباح الخير.
قال جواو صباح الخير يا هيلينا هل نمت جيدا
قالت نعم شكرا.
راقبت المشهد الفوضوي مارسيا تحاول تمشيط شعر أخواتها الصغيرات وجواو يحرك شيئا على الموقد تفوح منه رائحة احتراق. قالت هيلينا
هل أساعد
جاء صوت مارسيا باردا لا حاجة نحن نعرف كيف ندبر أمرنا وحدنا.
لاحظت هيلينا عداءها لكنها لم تعلق. اقتربت من جواو وقالت
فكرت في عرضك وأوافق لكن بشرط.
التفت إليها باهتمام ما هو
قالت أريد أن تقبلني بناتك أولا. لا فائدة من بقائي هنا إن كن لا يردنني.
نظر جواو إلى مارسيا التي توقفت عن تمشيط شعر أخواتها وصارت تراقب.
قال جواو مارسيا تعالي هنا.
اقتربت بتثاقل. قال هيلينا ستبقى معنا فترة لتساعد في الاعتناء بكم.
ردت مارسيا وهي تعقد ذراعيها لا نحتاج مساعدة.
هم جواو أن يتكلم لكن هيلينا سبقته وقالت وهي تنظر إلى مارسيا مباشرة
هي على حق أنتم دبرتم أموركم وحدكم حتى الآن. أنا التي أحتاجكم لا العكس.
بدت مارسيا مصدومة كيف يعني
قالت هيلينا لا مكان لدي أذهب إليه يا مارسيا أبوك عرض علي بيتا وهذا أكثر مما توقعت. لكن الأمر لن ينجح إن لم تقبلوني. إن لم تريدوني سأفهم.
نظرت مارسيا إلى أبيها ثم إلى إخوتها الصغار الذين يراقبون دون فهم كامل. سألت
وإلى متى
قالت هيلينا إلى المدة التي تريدونها أن أبقى.
فكرت مارسيا طويلا ثم قالت
حسنا لكن لي شروط أيضا.
قالت هيلينا ما هي
قالت مارسيا أولا لا تأمريني. وثانيا لا تحاولي أن تحلي محل أمنا.
أومأت هيلينا أوافق.
في تلك اللحظة أفلت دافي من ذراعي أبيه وركض إلى هيلينا باسطا ذراعيه الصغيرتين. حملته هيلينا وشعرت بقلبها ينقبض من سهولة قبوله لها. ابتسمت لأول مرة منذ دخلت ذلك البيت وقالت
يبدو أن بعض هؤلاء الأطفال قد قبلوني بالفعل.
بدأت الأيام الأولى في بيت آل مينديس كدوامة من المشاعر. كانت هيلينا تستيقظ قبل الفجر لا لأن أحدا ألزمها بل لأنها لم تستطع النوم جيدا وهي تعرف أن أحد عشر طفلا ينتظرون رعاية. وفي الأسبوع الأول اكتشفت أن جواو يخرج مبكرا للعمل في المزرعة المجاورة ولا يعود إلا آخر النهار. وهذا يعني أنها تقضي النهار وحدها مع الأطفال مسؤولية تخيفها وتحرك شيئا دافئا في قلبها في الوقت ذاته.
صرخ كارلوس ابن الاثني عشر عاما من باب الغرفة
أين قميصي الأزرق
قالت هيلينا وهي تحاول إقناع صوفيا ذات الست سنوات أن تفطر
ربما على الحبل.
قال بإصرار ليس هناك.
تنهدت هيلينا تركت صوفيا ممسكة بالملعقة وذهبت تبحث. وجدته ضمن كومة ملابس نظيفة لم يطوها أحد.
قالت وهي تعطيه القميص ها هو.





