قصص قصيرة

قالت أمي أنتِ بلا مستقبل! فرفعتُ هاتفي وفتحتُ المحكمة أمامهم!

كانت غرفة الطعام في قصر فانس أشبه بضريح للمال القديم ولأسرار أقدم منه. كانت الثريا الكريستالية فوق طاولة الماهوغني تلقي ضوءا قاسېا يشبه ضوء غرف التحقيق على وجبة يساوي ثمنها أكثر مما يكسبه معظم الناس في شهر ومع ذلك كان طعمها في فمي كالرماد. كان هذا هو عشاء الأحد الإجباري طقسا أسبوعيا لا يشبه اجتماع عائلة بل أقرب إلى تقييم أداء كنت محكومة أن أفشل فيه سلفا.
قالت أمي بياتريس ناوليني الملح يا إلينا. لم تكلف نفسها حتى رفع عينيها عن طبقها. كان صوتها أداة متقنة من الاستعلاء المهذب. ومن فضلك حاولي أن تكوني حذرة. نحن نعرف جميعا كم تصبحين غير منسقة حين تتوترين. ويعلم الله أنك لم تستطيعي حتى تحمل ضغط فصل دراسي بسيط في كلية الحقوق دون أن ټنهاري.
مددت يدي نحو الملاحة الكريستالية. كانت يدي ثابتةثباتا كاملا. ثبات جاء من سنوات قضيتها وأنا أدرب أعصابي في أماكن أكثر ضغطا بما لا يقاس من هذه الغرفة. تحت سترتي الرمادية المتواضعة من الكشمير كانت تستقر على عظمة الترقوة سلسلة ذهبية ثقيلة. يتدلى منهامخفيا عن أنظارهمخاتم يحمل الختم البارز للمحكمة الفيدرالية للدائرة الثالثة. كان ذلك رمز حياتي الحقيقية حياة من السلطة والهيبة لا يعرف عنها أفراد عائلتي شيئا.
قلت بهدوء وأنا أدفع الملح عبر مفرش الطاولة أنا بخير

يا أمي.سخرت كلوي وهي تدور كأس نبيذ بينو نوار معتق بحركة متعجرفة مدروسة. كانت أختي الصغرى تجلس عن يميني متوهجة بوهج الابنة الذهبية الذي لا يطاق. لقد نالت للتو ترقية إلى منصب نائب مدير تسويق مبتدئ في شركة تتعامل مع العلامات الفاخرةوظيفة حصلت عليها أساسا لأن بياتريس تلعب البريدج مع زوجة المدير التنفيذي.
قالت كلوي بازدراء وعيناها تفتشان شعري غير المصفف وغياب المجوهرات تعملين في عيادة قانونية للفقراء يا إلينا. أنت عمليا سكرتيرة مزينة تملئين أوراق المساعدة المجانية لأناس لا يقدرون على توكيل محام حقيقي. بصراحة هذا محرج للعائلة. أنت محظوظة لأن أمي وأبي ما زالا يسمحان لك بإيقاف تلك الخردة العملية في الممر. إنها تخفض قيمة العقار.
ارتشفت رشفة بطيئة من الماء لأخفي الابتسامة الجافة العارفة التي لعبت على شفتي. كانوا يعتقدون حقا أنني طالبة حقوق فاشلة أقضي أيامي في قبو مغبر أملأ الاستمارات. لم يعلموا أن العيادة هي المحكمة الفيدرالية نفسها. ولم يعلموا أن الأوراق التي أتولاها تتضمن إصدار الأحكام على كبار أعضاء الكارتلات وإدارة نزاعات شركات بملايين الدولارات وتفسير نسيج القانون الدستوري ذاته.
لقد أخفيت تعييني قاضية فيدرالية لمدة ثلاث سنوات. لماذا لأن أي إنجاز لي في هذا البيت إما يسحق حتى يصير عدما أو يستغل لصالح طموحاتهم الاجتماعية. لو عرفوا أنني قاضية لما افتخروا بعقلي بل لقضوا كل عشاء يطالبونني بأن أحل مشاكل أصدقائهم القانونية أو أن أضغط للتأثير في قرارات التنظيم العمراني.
تمتم أبي آرثر بين لقمة وأخرى من شريحة اللحم نحن فقط نريد لك مستقبلا يا إلينا. مثل كلوي. هي تسير في مسار واضح. أما أنت فتتسكعين.
قلت بنبرة محايدة تحمل في باطنها سلطة لم يلتقطوها لدي مستقبل.
تنهدت بياتريس وهي تمسح شفتيها بمنديل حريري سنرى. فقط حاولي ألا تكوني عبئا على أختك عندما تكون هي من يدير هذه المدينة.
انتهى العشاء كالعادة على وقع الإقصاء. وبحكم التقليد كنت أقف لأرفع الصحون لكن بياتريس لوحت بيدها كمن يطرد ذبابة اتركيها. اذهبي إلى بيتك يا إلينا. طاقتك الكئيبة طاقة الطبقة العاملة تفسد باقة نكهة النبيذ.
خرجت من الباب
الأمامي وخطوات حذائي تطرق الرخام في البهو. مددت يدي إلى الخطاف النحاسي حيث علقت مفاتيح سيارتي فلم أجد شيئا. سرت قشعريرة حدس بارد على طول عمودي الفقري. نظرت عبر الزجاج الجانبي للباب إلى الممر.
كانت سيارتي السوداءالسيارة الحكومية المخصصة التي تحمل من تقنيات المراقبة أكثر مما يملكه مركز شرطة محليقد اختفت. ومن بعيد سمعت صړخة معدنية مذعورة لمحرك يدفع إلى ما وراء حدوده.
اندفعت ركضا على الدرج الحجري في اللحظة التي انحرفت فيها أضواء سيارتي إلى الممر بعشوائية مبددة ظلال أشجار البلوط العتيقة كأنها ومضات ستروب فوضوية. اندفعت السيارة صعودا والمحرك يسعل وصوت الطرق الإيقاعي يتكرر ثم توقفت توقفا عڼيفا متشنجا. لم يفصلها عن باب المرآب المغلق سوى أقل من ثلاث بوصات.
انفتح باب السائق بقوة وترنحت كلوي خارجة كادت تتعثر بقدميها. كانت ترتدي فستان كوكتيل مرصعا بالترتر لكنه تمزق عند الكتف وشعرها الأشقر أصبح كتلة متلبدة. كانت رائحة الجن الباهظ والذعر الخام تفوح منها موجات.
لكنني لم أكن أنظر إليها. كنت أنظر إلى سيارتي.
كانت الشبكة الأمامية محطمة تتدلى بمشابك بلاستيكية قليلة. الغطاء الأمامي منبعج كرقائق قصدير مهدورة مرفوعا على شكل حرف V مسنن. وعلى الصدام الأمامي يسيل على الإسفلت المصقول لطخة كثيفة داكنة لزجة بلون قرمزي.
ډم لا يزال دافئا يتصاعد بخاره في هواء الليل البارد.
صړخت كلوي بكلمات متعثرة لم أقصد! هو فقط ظهر من العدم يا إلينا! كان على دراجة! لم أره إلا عندما سمعت صوت الاصطدام! سمعت الصوت!
خرجت بياتريس وآرثر مسرعين من البيت أرديتهما الحريرية ترفرف. توقفت بياتريس جامدة عندما رأت حال السيارة. رأت الډم. رأت ابنتها الذهبية تترنح مخمورة بجانب دليل جناية دهس وهروب.
همست بوجه صار بلون الرماد

هل ماټصړخت كلوي لا

أعلم! لم أتوقف! لم أستطع التوقف! لدي الترقية! البيان الصحفي غدا! إذا حصلت على قيادة تحت التأثير إذا دخل اسمي في سجل انتهى كل شيء! حياتي انتهت! أمي عليك مساعدتي!
لم تتحرك بياتريس نحو السيارة. لم تسأل أين المصاپ. لم تتصل بالإسعاف. بدلا من ذلك استدارت ببطء ميكانيكيا حتى استقرت عيناها الباردتان الحاسبتان علي. تقدمت وأمسكت بكتفي بقوة يائسة مرعبة أظافرها المغروسة في جلدي.
همست وهي تلهث قرب أذني إلينا عليك أن تفعلي هذا. عليك أن تنقذيها.
قلت رغم أن الرهبة كانت تتجمع في معدتي أن أفعل ماذا يا أمي
قالت بياتريس بصوت يرتجف من حدة محمومة كلوي لديها حياة. لديها مسار. هي ذاهبة إلى حيث يفترض بأمثالنا أن يذهبوا. أما أنت فانظري إلى نفسك. وأشارت بسخرية إلى ملابسي البسيطة إلى الفشل الذي صنعته لي خلال عشرين عاما.
أنت مجرد فاشلة بصقت الكلمة. تعملين في عيادة قبو. لا زوج لا مهنة لا آفاق. ليس لديك مستقبل على أي حال! قولي للشرطة إنك كنت تقودين. أخذت السيارة لشراء بعض الوجبات الخفيفة. هم يتوقعون من شخص مثلك أن يرتكب خطأ أخرق. سيصفعونك على المعصم. بالنسبة لكلوي هذا نهاية كل شيء. أما بالنسبة لك فمجرد يوم ثلاثاء آخر في حياة لا شيء.
كان حسابها البارد مكشوفا إلى درجة تصدم النفس. لم يكن الأمر أنهم لا يحبونني فحسب بل أنهم قرروا أنني أقل من إنسانة قطعة احتياط يمكن الټضحية بها كي تستمر الابنة الذهبية.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى