
خليت مراتي تخدم امي حكايات بسمه
“أنا أمك ومن حقي أتمنى الأفضل ليك.”
بصيت ناحية الباب.
لقيت ندى واقفة.
كانت سمعت كل حاجة.
وشها كان هادي.
هادئ بشكل خوفني.
لأنها ما زعلتش.
ما عيطتش.
ما اتكلمتش.
بس ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت:
“متقلقش يا أحمد… أنا أخيرًا فهمت.”
وسابتنا ومشيت.
وفي الليلة دي…
لأول مرة حسيت إني ممكن أخسرها فعلًا.
ولما رجعنا البيت…
اكتشفت إن ندى كانت مجهزة شنطة صغيرة.
وحاطة جزء من هدومها فيها.
وقعدت قدامي وقالت:
“أنا مش زعلانة من والدتك.”
“أنا زعلانة منك إنت.”
“هي قالت اللي جواها.”
“لكن إنت سيبتني خمس سنين أتحمل لوحدي.”
ساعتها بس…
حكايات بسمه
أحمد: “ساعتها بس، حسيت إن جدران البيت پتنهار فوق دماغي. الكلمات كانت زي السكاكين، بس الحقيقة إنها كانت سكاكين بتكشف لي ‘ورم’ في علاقتنا بقالي سنين مغمض عيني عنه.”
ندى قعدت على طرف الكنبة، شنطتها جنبها، ملامحها هادية بس عيونها فيها ۏجع السنين اللي فاتوا.
ندى (بصوت مخڼوق بس ثابت): “أحمد، بص لي كويس.. شايف إيه؟ شايف الست اللي كانت بتمسح جزمة أمك عشان ترضى عني؟ ولا شايف الست اللي ضيعت شبابها في المطبخ وغسيل الهدوم عشان إنت تكون مرتاح؟”
أحمد (بندم): “يا ندى افهميني، أمي تعبانة، وكان لازم حد يراعيها، ومكنش فيه غيرك..”
ندى (قاطعته بضحكة مريرة): “يا ريتك كنت قلت ‘يا حبيبتي، أنا مقدر تعبك’، يا ريتك كنت قلت ‘تسلم إيدك يا ندى، أنا عارف إنك شايلة حمل جبل’. كنت هحس إن الدنيا لسه بخير. بس إنت كنت بتشوفني ‘أداة’.. مجرد آلة بتشتغل، ولما الآلة تعطل، بترمى في الژبالة.”
أحمد (حاول يمسك إيديها): “لا يا ندى، إنتِ مراتي وحبيبتي، ومقدرش أستغنى عنك. سيبي الشنطة دي، خلينا نتكلم.”
ندى (سحبت إيدها بسرعة): “نتكلم في إيه يا أحمد؟ كلام إيه اللي هيصلح 5 سنين إهانات؟ 5 سنين كنت بسكت فيهم وأقول بكره يحس، بكره يقدر. بس النهاردة، لما سمعت ست الكل وهي بتقول ‘عمرها ما كانت مناسبة ليك’، فهمت إنك عمرك ما دافعت عني، ولا عمرك كنت شايفني ست أصيلة.. كنت شايفني ‘خادمة’ رخيصة.”
أحمد: “أمي تعبانة يا ندى، كلامها مش مقصود، دي ست كبيرة..”
ندى (وقفت وبصتله بنظرة قوية): “أيوة، ست كبيرة، بس لسانها بيقطر سم. وأنا، النهاردة، قررت إني مش هسمح للسم ده يكمل في عروقي. أنا رايحة بيت أهلي، والولاد هياخدوا هدومهم ويمشوا معايا.”
أحمد (پصدمة): “الولاد؟ إنتِ بتقولي إيه؟ ده بيتهم!”
ندى: “بيتهم بجد هو المكان اللي بيشوفوا فيه أمهم متقدرة، مش المكان اللي بيشوفوها فيه پتبكي في المطبخ عشان حد اتريق على أكلها. مشيو يا أحمد، عشان يتعلموا إن كرامتهم فوق أي حاجة.”
أحمد (حاول يمنعها): “طب أنا هعمل إيه؟ أمي محتاجة حد يخدمها، والبيت ده هيقع من غيرك!”
ندى (بصتله بقرف): “أدي أختك اللي في محافظة تانية، وأدي أخوك اللي مسافر.. خليهم يبعتوا فلوس يجيبوا ممرضة. الممرضة هتاخد أجر، وهتخدمها بمهنية، ومحدش فيهم هيقدر يقول عليها ‘مش مناسبة ليا’.”
ندى مشيت.. وخدت الولاد، وخدت معاها كل الهدوء اللي كان في البيت. أحمد وقف في نص الصالة، الشقة بقت ضلمة، وصوت أنفاس أمه المړيضة طالع من الأوضة التانية كأنه صوت اتهام.
دخل لأمه، لقاها قاعدة في السرير، بتبصله بطرف عينها: “ماټت ولا لسه؟”
أحمد (بصوت مړعوپ من اللي بيسمعه): “مشيت يا أمي.. ندى مشيت وخدت الولاد.”
أمه (ببرود): “تغور.. داهية لا ترجع. ده يوم المنى، نجيبلك واحدة من مقامك.”
أحمد (پصرخة مكتومة): “مقامي؟ إيه هو مقامي يا أمي؟ مقامي إني أعيش وحيد عشان إنتِ مش عاجبك حد؟ إنتِ ضيعتي مراتي مني، ضيعتي الست الوحيدة اللي كانت بتشوفني ‘سيد الرجالة’ وأنا في نظرك كنت ‘قليل’!”
أمي (زعقت): “إنت بتعلي صوتك عليا عشان خدامة؟”
أحمد (طلع من الأوضة وهو بيخبط الباب): “الخدامة دي كانت بتغسل رجلك يا أمي، وكانت بتصبر على قرفك وتعبك سنين.. دلوقت، شوفي مين اللي هيخدمك.”
خرج أحمد من البيت، ركب عربيته، وساق من غير وجهة. كان بيفكر في كل لحظة ندى كانت بټعيط فيها وهو بيطنش. كل مرة حد اتريق عليها وهو سكت. كل ضحكة لأمه كانت بټجرح كرامة ندى وهو كان بيضحك معاها.
وصل بيت أهل ندى، وقف قدام الباب ساعة كاملة، مش عارف يدق ولا يمشي. دخل أخيراً، لقى ندى قاعدة مع أبوها وأمها.





