
خليت مراتي تخدم امي حكايات بسمه
أبو ندى (بصوت حاد): “جايب إيه معاك يا أحمد؟ جاي تكمل إهانتك لبنتي؟”
أحمد (وقع على ركبه قدامهم): “يا عمي، أنا جاي أعتذر. مش عشان ترجع، أنا عارف إني ميتحبش.. أنا جاي أطلب من ندى تسامحني.”
ندى (بصتله بجمود): “السماح سهل يا أحمد، بس الثقة؟ الثقة دي بتبني سنين وتتهد في لحظة. إنت هديت بيتنا في 5 سنين من السكوت والخذلان.”
أحمد: “أنا مستعد أعمل أي حاجة.. أطلق أمي؟ لأ، مش هينفع. بس هسيب البيت، هسكن في أي حتة، وهسيبك إنتِ تديري حياتنا.”
ندى (وقفت): “حياتنا خلصت يا أحمد. أنا دلوقتي ببدأ حياة جديدة، تدريس، وشغل، وتربية ولاد.. من غير ما حد يقلي ‘انتي قليلة’.”
أحمد (پبكاء): “والولاد؟ هحرمهم من أبوهم عشان غلطتي؟”
ندى: “الولاد هيشوفوك في أي وقت، بس مش هينفع نرجع نعيش في سجن واحد.”
أحمد مشي وهو حاسس إن روحه بتنسحب منه. قعد لوحده في شقته الجديدة، بدأ يخدم نفسه بنفسه، يعمل أكله، يغسل هدومه، ينضف بيته. لأول مرة حس يعني إيه “تعب”. حس يعني إيه “وحدة”.
بعد شهرين، أمه كلمته: “تعالى يا أحمد، أنا تعبانة، أختك مش عايزة تيجي، وأخوك بعت فلوس بس مفيش حد بيراعي المړض.”
أحمد (رد ببرود): “أنا كمان مشغول يا أمي.. دبري نفسك، أدي الفلوس اللي أخويا بعتها، هاتي بيها ممرضة.”
أمه (پصدمة): “أنت بتسيب أمك؟”
أحمد: “زي ما سيبتِ مراتي.. الدنيا دوارة يا أمي.”
قفل التليفون، ودموعه نزلت. افتكر ندى، افتكر ريحة القهوة الصبح، افتكر صوت ضحكتها مع الولاد. ندم.. بس الندم ما بيرجعش اللي فات.
مرت سنة، ندى بقت مشهورة في شغلها، وبقت شخصية قوية ومستقلة. وأحمد فضل على حاله، بيشتغل ويروح يزور ولاده، ويحاول يرمم اللي يقدر عليه.
في يوم، لقى ندى بتبتسم له لما راح ياخد الولاد: “أحمد، أنا قررت أبدأ أسامح.. بس مش عشان نرجع، عشان الولاد. عشان يشوفونا بنحترم بعض.”
أحمد (بأمل): “ممكن يوم نرجع؟”
ندى: “المستقبل بتاع ربنا، بس النهاردة، أنا سعيدة إني قوية.. والراجل اللي هبص له، لازم يكون أقوى مني.”
أحمد فهم إن الطريق طويل، بس قرر يكمل، مش عشان يرجع ندى، بس عشان يفضل “راجل” يستحق احترام نفسه، واحترام ست زي ندى.”
أحمد: “فضلت زي ما أنا، لا عارف أرجع بيتي القديم ولا عارف أبدأ حياة جديدة، لحد ما في يوم قررت أخد خطوة تانية. بعت العربية اللي كنت جايبها بفلوسي، وأخدت مبلغ محترم، ورحت لندى، بس المرة دي مكنتش جاي أترجاها ترجع، كنت جاي أقدملها ‘اعتراف’.
وصلت بيت أهلها، كان الوقت متأخر. ندى فتحت لي الباب، ملامحها كانت لسه قوية، بس كان فيها حزن مش قادر أنكره. دخلت، وقعدنا في الصالون، قعدت قدامها وطلعت ورقة، كانت ‘تنازل’ عن شقتي القديمة، اللي هي كانت تعبانه في فرشها، وكمان مبلغ مالي كبير باسمها، كـ ‘رد حق’ مش كمهر.
أحمد (بصوت يرجف): ‘دي مش رشوة عشان ترجعي، ولا دي تعويض عن سنين عمرك اللي ضاعت.. ده حقك. أنا طول السنين دي كنت باخد تعبك وأنسبه لنفسي، كنت باكل من عرقك وأقول دي مراتي، ده واجبه. أنا النهاردة بتنازل عن كل حاجة كانت بتجمعني بيكي، عشان لما أقف قدامك، أكون بجد حر من أي استغلال.’
ندى بصت للورق بذهول، وبعدين بصت لي: ‘أحمد، إنت ليه بتعمل كدة؟ إنت عارف إن الورق ده معناه إنك هترجع تبدأ من الصفر؟’
أحمد: ‘أنا بقالي سنة في الصفر يا ندى. بقالي سنة بنام وأنا حاسس إن السقف هيقع فوق دماغي من كتر ذنبي. أنا مش عايز أرجع ‘جوز’ ندى الخادمة، أنا عايز أرجع ‘رجل’ يستاهل ندى الشريكة.’
سكتت ندى فترة، وبعدين قامت دخلت أوضتها، طلعت ومعاها ‘ألبوم صور’. حطته على الطاولة وفتحت صفحة قديمة. كانت صورة لينا في أول أسبوع جواز، قبل ما أمي تتدخل، قبل ما الشغل يغيرني، وقبل ما الخمس سنين يهدوا كل حاجة.
ندى (بدموع): ‘إنت عارف، أنا عمري ما كرهتك يا أحمد. أنا کرهت ‘الراجل’ اللي بقيت عليه. أنا كان نفسي الراجل اللي في الصورة ده، هو اللي يفضل جنبي. أنا مش عايزة بيتك، ولا عايزة فلوسك.. أنا عايزة أحمد اللي كان بېخاف يزعلني.’
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة في قلبي انكسرت وطلعت. قعدنا نتكلم لساعات، مش عن الماضي، ولا عن أمي، ولا عن أي حد. اتكلمنا عن “نفسنا”. اتكلمنا عن أحلامنا اللي نسيناها، وعن الولاد اللي ضايعين بينا.
ندى (بصت لي بضعف): ‘أنا محتاجة وقت، مش عشان أقرر، بس عشان أتأكد.. أتأكد إنك لما هترجع، مش هترجع عشان ‘أمي محتاجة حد’، ولا عشان ‘البيت ناقصه ست’، هترجع عشان إنت ‘محتاج’ ندى.’
مشيت من عندها، بس المرة دي مشيت وأنا حاسس بـ ‘ضوء’ في آخر النفق. بدأت أزور أمي في بيتها، بقيت أروح أطمن عليها، وأجيب لها احتياجاتها، بس من غير ما أسمح لها تتدخل في حياتي. أختي لما حاولت تتدخل، قلت لها كلمة واحدة: ‘البيت اللي مبيحترمش مراتي، ملوش مكان في حياتي.’
عدت شهور، وبدأنا نشوف بعض في “أرض محايدة”. كافيه، حديقة، مكان عام. كنا بنرجع نكتشف بعض، كأننا غريبين. ندى بدأت تضحك تاني، وأنا بدأت أحس إن “أحمد” القديم رجع للحياة.
في يوم، كنت باخد الولاد من المدرسة، لقيت ندى واقفة مستنياني. كانت لابسة الفستان اللي كانت بتحبه، وقالت لي: ‘أحمد، الولاد محتاجين أب وأم تحت سقف واحد، وأنا محتاجة شريك. الشقة اللي استأجرتها، أنا جهزتها.. ناقص بس إننا نبدأ من جديد.’
جالي ذهول، حسيت إن الدنيا كلها بتضحك لي. أخدت إيدها، وروحنا شقتنا الجديدة. مكنش فيها عفش كتير، ولا كانت قصر، بس كان فيها حاجة ناقصة بقالها سنين: ‘السلام.’
أمي، لما عرفت، كانت فاكرة إني هجيبها تعيش معانا، بس أنا قلت لها بكل هدوء: ‘أنا برك فوق راسي يا أمي، بس بيتي ده ‘خط أحمر’. ندى هتيجي تزورك وتخدمك وتطمن عليكي، بس هي مش ‘خادمة’ عندك، هي ‘زوجة’ ابنك.’
أمي في الأول رفضت، بس بعد ما عاشت فترة لوحدها وشافت إن محدش بيستحملها غير ندى، بدأت هي كمان تتغير. بدأت تحترم ندى، مش لأنها بتحبها، بس لأنها عرفت إن ابنها مبيستغناش عن مراته.
الدرس الأكبر اللي اتعلمته: إن الستات مش بس ‘خدم’ في البيوت، الستات هن ‘روح’ البيوت. وإن الراجل اللي بيسيب مراته تتهان، هو اللي بيبقى متهان في الآخر.
عشنا في بيتنا، بنينا حياتنا، والولاد كبروا وهما شايفين أمهم ‘ملكة’ في بيتها، وأبوهم ‘راجل’ بيحترم شريكته.
أنا دلوقت عندي 42 سنة، وبصيت في المراية النهاردة، لقيت أحمد اللي كنت بتمناه. مش الغني، ولا الناجح في شغله وبس، بس ‘أحمد’ الإنسان اللي عرف يرمم قلبه، ويعرف يخلي مراته ‘ملكة’.. ندى، اللي استنت سنين عشان ترجع الروح لبيتنا.”
**تمت.**





