
لما اخو جوزي اتوفي
لزمن نفسه وقف مستني يشوف هنعمل إيه.
الزرار جوه الفتحة كان بيومض بإيقاع بطيء كأنه قلب بيستنى قرار.
إيهاب شدني من دراعي ما تقربيش منه إحنا مش فاهمين ده إيه!
سمر كانت بترتعش إحنا لازم نطلع من هنا دلوقتي!
حماتي همست بصوت مكسور البيت ده اتجنن أو إحنا اللي اتغيرنا
لكن أنا ما كنتش بسمعهم بنفس الطريقة.
كان جوايا صوت تاني أهدى أعمق كأنه مش صوت غريب، لكن صوت جزء منّي بيتكلم من ورا الذاكرة.
بصيت للزرار وقلت لو ده اختيار يبقى لازم أعرف الاختيارات التانية إيه.
الصوت اللي جاي من الحيطة رد فورًا اختيارك الأول تكملّي كابتسام حياة البيت كما هي وتختفي الحقيقة.
سكت لحظة، وكمل اختيارك الثاني ترجعي للأصل وتنكشف كل الحقائق لكن مفيش ضمان إن اللي تعرفيه يفضل ثابت.
إيهاب قال بسرعة إنتي مش مطالبة تختاري حاجة! ده خطر!
لكن سمر فجأة قالت بنبرة حادة إحنا أصلاً عايشين في خطر! خلّيها تختار ونخلص!
حماتي صرخت حرام عليكم! كفاية!
أنا رفعت إيدي ببطء وقربت من الحيطة.
ومشيت خطوة.
إيهاب حاول يقرب مني ابتسام، بصّي لي ركزي معايا
لكن صوته كان بيبعد كأن المسافة بيني وبينه بتكبر مش في المكان لكن في المعنى.
وقفت قدام الفتحة مباشرة.
جوه الشاشة السوداء بدأت تظهر صور بسرعة
البيت جوهر أنا سمر إيهاب
بس الصور كانت بتتبدل بشكل مش طبيعي كأنها نسخ مختلفة من نفس اللحظات.
وفجأة
شفت نفسي في صورة ماكنتش فاكرة إني كنت فيها.
مش واقفة في المطبخ لكن واقفة في نفس الأوضة دي قبل ما كل ده يبدأ.
بصيت لنفسي جوه الصورة
ونفسي التانية قالت بصوت واضح من جوه الحيطة أخيرًا رجعتي تبصي.
إيهاب صرخ إنتي بتكلمي نفسك؟!
لكن أنا بصيتله وقلت بهدوء أنا ما بقيتش متأكدة مين فينا اللي بيتكلم مع التاني.
الزرار بدأ يلمع أقوى لدرجة إنه نور وشنا كلنا.
وساعتها الصوت رجع آخر مرة
القرار لازم يتاخد دلوقتي قبل ما النسختين يبقوا واحد أو يتلغوا نهائيًا.
البيت كله اتشد في نفس اللحظة
وإصبعي كان واقف على مسافة صغيرة جدًا من الزرار
بس لسه ما لمستوش إصبعي كان واقف على بعد شعرة من الزرار وكل حاجة حواليا كانت بتتهز كأن البيت نفسه بيضغط عليّا عشان أقرر.
إيهاب صوته اتكسر ما تعمليش كده أيًا كان ده، إحنا نقدر نطلع ونفهم برا!
سمر صرخت إحنا مش هنخرج أصلاً لو مكملناش!
حماتي كانت قاعدة على الأرض، بتبكي بهدوء لأول مرة أنا مش عايزة أفهم أنا عايزة البيت يرجع زي الأول بس
لكن الأول نفسه ما بقاش واضح في دماغي.
الصوت اللي جاي من الحيطة رجع أهدى مش مطلوب منك شجاعة مطلوب منك صدق.
سكت لحظة.
اسألي نفسك إنتي كنتي عايشة حياة ولا كنتي عايشة دور؟
الجملة دي خبطت في حاجة جوايا.
إيهاب قرب مني وحط إيده على كتفي إنتي مراتي إنتي ابتسام بصيلي
بس أول ما قال ابتسام
الصورة اللي جوه الحيطة اتكسرت لحظة.
وشفت نفسي تاني بس المرة دي مش في البيت.
في مكان أبيض تمامًا كأنه ممر طويل من غير نهاية.
وصوتي أنا جاي من جوه الصورة الاسم مش المشكلة المشكلة إنك صدقتيه بدري.
رجعت لنفسي في الأوضة بسرعة أخدت نفس كأني كنت تحت ميّه.
إيهاب إيه اللي شوفتيه؟!
سمر هي بتنهار ده بيأثر عليها!
لكن أنا كنت بدأت أفهم حاجة مختلفة.
بصيت للزرار وبصيت لهم كلهم واحد واحد.
وقلت بهدوء مخيف إنتوا فاكرين إن في نسخة واحدة مني بس الحقيقة إن في حد قرر يختار النسخة اللي تناسب البيت ده.
سمر يعني إيه؟!
قلت يعني مش أنا اللي دخلت البيت البيت هو اللي اختار يدخلني.
سكون.
الصوت رجع آخر مرة آخر تحذير اللمس هيحدد النهاية.
الزرار بقى بيضرب نور أبيض قوي لدرجة إننا بقينا نشوف بعض بصعوبة.
إيهاب صرخ ابتسام!! بلاش!!
لكن إيدي اتحركت لوحدها
مش بإرادتي الكاملة
كأنها بتسترجع حاجة قديمة جدًا.
وقبل ما أي حد يلحقني
لمست الزرار.
وفي نفس اللحظة
كل حاجة سكتت تمامًا.
حتى النور.
وحتى الصوت.
واللي حصل بعد كده
ماكانش انفجار ولا انهيار
كان حاجة أبسط وأخطر
البيت كله اتفرغ من جوه الفراغ اللي حصل كان مرعب مش فراغ صوت وبس، لكن إحساس إن المكان نفسه اتشال منه المعنى.
لا صوت نفس، لا حركة، لا حتى صدى الخطوة.
إيهاب كان واقف قدامي، بس ملامحه بدأت تبان كأنها بعيدة شوية كأن في طبقة شفافة بتفصلنا.
سمر بصوت مخنوق إيه اللي حصل؟ إحنا اختفينا؟
حماتي كانت بتتحرك ببطء، لكن كل خطوة منها كانت كأنها بتتسحب من واقع تاني.
وبعدين
الصوت رجع، بس مش من الحيطة ولا من أي اتجاه واضح.
كان جاي من جوايا أنا.
إعادة التهيئة اكتملت.
إيهاب قرب مني ابتسام إنتي سامعاه؟
هزيت راسي ببطء لأن الحقيقة بدأت تبقى أوضح من أي ورق.
الفراغ حوالينا بدأ يتشكل تاني، لكن بشكل مختلف الأوضة رجعت، بس التفاصيل اتغيرت.
نفس المكان بس مش نفس النسخة.
الأثاث أقدم شوية الصور على الحيط مش نفس الصور حتى إحساس البيت نفسه اختلف.
سمر شهقت ده مش بيتنا!
حماتي بصت حوالين نفسها بصدمة إحنا فين؟!
لكن أنا كنت واقفة وبحس إن حاجة فيّ بتكمل الصورة لوحدها.
الصوت الداخلي رجع تاني تم اختيار النسخة المستقرة.
إيهاب صرخ اختيار إيه؟ إحنا ما اخترناش حاجة!
لكن الجملة اللي بعدها خلت كل حاجة تتجمد
النسخة المستقرة هي التي تقبل الذاكرة الجديدة دون مقاومة.
سمر بصتلي فجأة إنتي إيه اللي جواكي دلوقتي؟
سكت لحظة.
لأني بدأت أحس فعلاً إن في ذكريات مش بتاعتي بس في نفس الوقت مألوفة بشكل يخوف.
بصيت لإيهاب وقلت بهدوء إنت متأكد إنك فاكرني صح؟
اتصدم طبعًا!
لكن في نفس اللحظة
صورة على الحيطة اتبدلت لوحدها.
وظهر فيها مشهد قديم أنا وإيهاب بس مش نفس الطريقة اللي هو فاكرها.
هو كان بيبصلي بخوف وأنا كنت ماسكة نفس الورق اللي في الملف من البداية.
سمر رجعت خطوة ده تزوير! ده مش حقيقي!
لكن الصوت رجع
الذكريات ليست ثابتة بل قابلة للتركيب.
البيت اهتز اهتزاز خفيف زي جهاز بيعيد تشغيل نفسه.
والباب اللي كان مفروض يكون مخرج
اختفى تمامًا.
مكانه بقى حيطة عادية.
وساعتها
الصوت قال آخر جملة الآن تبدأ النسخة المستقرة حياتها الجديدة.
وبهدوء شديد
إحساس غريب جوايا قال حاجة واحدة بس
إن اللي حصل مش نهاية الاختبار
ده بداية بيت جديد بقوانين جديدة وأنا جزء من قوانينه دلوقتي البيت سكت تمامًا بعد الجملة الأخيرة سكون مختلف، كأنه اتقفل عليه الزمن نفسه.
ثواني مرت، وبعدين النور رجع تدريجيًا.
بس المرة دي مفيش حيطة بتفتح، ولا أصوات، ولا فراغ مرعب.
كان نفس البيت بيت العيلة القديم بكل تفاصيله العادية الطرابيز، الأوض، صوت الشارع من الشباك.
إيهاب كان واقف قدامي، بيبص حوالينه بذهول إيه اللي حصل؟ إحنا كنا فين؟
سمر كانت ماسكة دماغها أنا فاكرة بس كأني بحلم تقيل
حماتي قاعدة على الكرسي، بتبص حوالينها بصمت طويل، وبعدين قالت بصوت واطي يمكن كان كابوس جماعي.
سكتوا كلهم.
أنا بصيت لإيدي مفيش أي أثر، مفيش ورق، مفيش مفاتيح، مفيش باب مقفول.
كل حاجة رجعت عادية.
إيهاب قرب مني وقال إنتي كويسة؟
هزّيت راسي بهدوء أيوه كويسة.
لكن جوايا مفيش أي صورة من اللي حصل لسه واضحة. كأنها اتحذفت من الذاكرة نفسها.
سمر اتكلمت بسرعة أنا همشي من هنا مش مرتاحة.
حماتي بصت لها وقالت خليكي وإحنا ننسى الليلة دي.
ومرة واحدة رجع البيت لحياته الطبيعية.
بعد يومين
كل حاجة كانت ماشية عادي جدًا.
الأكل، الشغل، الضحك الخفيف وكأن مفيش حاجة حصلت أصلًا.
لكن في آخر اليوم، وإيهاب نايم، وأنا قاعدة في المطبخ لوحدي
فتحت درج المطبخ عادي.
ولقيت جواه ظرف صغير جدًا.
مقفول.
مكتوب عليه بخط بسيط
ابتسام
قفلت الدرج بسرعة، وبصيت حواليّا.
مفيش حد.
مسكته لحظة وبعدين حطيته تاني مكانه.
وقلت بصوت منخفض لنفسي يمكن فعلاً كان حلم ومش لازم أفتحه.
وقمت قفلت المطبخ وخرجت.
والباب اتقفل ورايا عادي جدًا
من غير أي صوت.
ومن غير أي سر جديد يتفتح.
النهاية.





