
اختي الكبيره من حكايات زهرة
باخد نفس طويل.. الحمد لله إني مسمعتش كلام الشك، والحمد لله إن جوزي طلع راجل بجد ويستاهل كل حب الدنيا..
بعد ما هند مشيت وقفلت الباب وراها، حسيت إن جبل كان شايل لى فوق كتافي ونزل.. رجلي مكنتش شيلاني من كتر الضغط العصبي اللي عشته في النص ساعة الأخيرة دي. دخلت الصالة وبصيت لعمر اللي كان واقف مستنيني وعينيه مليانة أسئلة ونظرة قلق متبخرتش تماماً.
قرب مني وشال الأكياس من إيدي وحطها على السفرة، وأخد إيديا الاتنين بين إيديه
وبص في عيني بصدق وقال
ندى.. إنتِ سمعتِ حاجة من الكلام اللي دار بيني وبين هند؟
كنت قادرة أنكر وأقوله لأ مسمعتش، بس حسيت إن المواجهة الهادية هي أساس الأمان اللي هنعيش فيه بعد كده. هزيت راسي براحة وقولتله
سمعت كل حاجة يا عمر.. من أول كلمة لآخر كلمة.
عمر وشه اتخطف ولحظة الخوف ظهرت في عينيه، وبدأ يتكلم بسرعة
والله العظيم يا ندى أنا…
قاطعت كلامه وحطيت صباعي على شفايفه بابتسامة حنينة وقولت
عارفة.. وعشان سمعت كل حاجة أنا مرتاحة. أنا شوفت جوزي وحبيبي وهو بيصون غيبتي وبيحمي بيته وبنته. شوفت الراجل اللي اختاره قلبي من أيام الجامعة وهو بيرفض يبيع الأمان عشان ماضي ملوش وجود. أنا مش زعلانة منك يا عمر، أنا فخورة بيك.
عمر أخد نفس طويل كأنه كان غرقان وطلع لبر السطح، بلهفة وقال
أنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك يا ندى. هند كانت مجرد حكاية قديمة وانتهت من قبل ما تبدأ أصلاً،
لما اختارت طريقها وسافرت، أنا قفلت الصفحة دي ومفتحتهاش تاني. ولما جيت خطبتك، خطبتك لإنك إنتِ اللي دخلتِ قلبي وعقلي، مكنتش أعرف إنها لسه شايلة جواها النية دي، ولما جت هنا النهاردة كانت فاكراني لسه واقف في مكاني، بس أنا مكانى مش بيتغير.. مكاني هو هنا، جنبك وجنب بنتنا.
الكلام ده كان البلسم اللي داوى جرح قلبي من ناحية أختي. بس كان لازم أتعامل مع الجرح ده بحكمة. هند مش مجرد واحدة غريبة، دي أختي الكبيرة، وبنت أمي وأبويا، وأي مواجهة عنيفة أو فضيحة في العيلة كانت هتهد سقف البيت كله فوق دماغنا وتعمل شرخ عمره ما هيتداوى بين الأهل.
نزلت قعدت جنب السرير وبصيت لبنتي اللي نايمة في سريرها الصغير زي الملاك، وقولت لنفسي إن البنت دي تستاهل تعيش في بيت هادي ومستقر، بعيد عن صراعات الكبار وعقدهم النفسية. الغيرة ممكن تعمي أقرب الناس، بس الذكاء والاحتواء هما اللي بيكسبوا في الآخر.
قررت إني مش هقول
لأمي ولا لأي حد في العيلة على اللي حصل. هسيب هند تسافر وترجع لحياتها ودراستها، وهي جواها كسرة الخيبة بعد ما عرفت إن بيتي أقوى من خططها الضعيفة. الرسايل الصامتة أحياناً بتبقى أقوى وأقسى من مية خناقة وزعيق.
في الأيام اللي بعد كده، حياتنا رجعت أحسن من الأول بكتير. الشك اللي كان كابس على نفسي اتبخر، والأوضة اللي كانت هند عايزاني أهجرها عشان تخرب بيتي، بقت هي المكان اللي بيملاه الضحك والفرحة وسهرنا سوا مع البنت وهي بتكبر قدام عينينا.
عمر بقى بيعاملني بحذر وحب مضاعف، كأنه بيعوضني عن التوتر اللي عشته، وأنا بقيت حريصة أكتر على بيتي وعلى تفاصيل حياتنا. اتعلمت درس عمري ما هنساه.. إن البيوت أسرار، وإن مش كل نصيحة بتتقالنا بتبقى قايمة على الحب، حتى لو كانت من أقرب الناس. الأمان الحقيقي هو اللي بنبنيه بإيدينا مع شريك حياتنا، والثقة هي السور اللي بيحمي البيت ده من أي ريح تحاول تهده.
تمت
الرواية بحمد الله





