
السنه الي عمي اتجنن بقلم زهرة الربيع
واحدة.
ولمحت بعيني رزمة ورق قديمة، وخاتم فضة، وصورة بالأبيض والأسود لشاب لابس بدلة جامعة… كان نفس وش عمي يونس قبل ما الزمن يكسره.
عمي بص لجدي وقال بصوت ثابت لأول مرة
قلتلك… الحقيقة مهما دفنتها… هترجع.
ساد صمت مرعب.
وفجأة… سمعنا صوت عربية شرطة داخلة العزبة، والأنوار الزرقا بتنور الطريق الطيني.
كل اللي في الساحة اتجمد مكانه…
أما جدي، فتمتم بخوف
مين… بلغ عن اللي حصل؟
وفي اللحظة دي، ابتسم عمي يونس ابتسامة هادية، وقال
أنا… كنت مستني الليلة دي من عشرين سنة.
وتحرك ضابط الشرطة ناحيتهم وهو ماسك في إيده ورقة قديمة، وقال
مين فيكم… رضوان الشناوي؟اتلفتت كل العيون ناحية الضابط، وحتى أبويا عبد العزيز نزل العصاية من إيده وهو بيحاول يبين إنه هادي.
جدي رضوان بلع ريقه وقال بصوت متماسك
أنا… خير يا باشا؟
الضابط بص في الورقة اللي معاه، وبعدها رفع عينه على يونس، واتغيرت ملامحه فجأة، وقال باستغراب
إنت… يونس رضوان الشناوي؟
عمي هز راسه بهدوء.
الضابط قرب منه خطوة، وبص للسلسلة اللي كانت لسه مربوطة في رجله، ثم قال بغضب
مين اللي عمل فيه كده؟
ولا واحد نطق.
السكوت كان أتقل من المطر.
جدي حاول يضحك ضحكة باهتة وقال
يا باشا… الواد تعبان من زمان، وإحنا بنحافظ عليه.
لكن الضابط قاطعه بحدة
تحافظوا عليه؟! تربطوه بالسلاسل جنب البهايم؟
بدأ أهل العزبة يتجمعوا، وكل واحد يبص للتاني، والهمس زاد.
وفجأة خرج شيخ كبير من بين الناس، كان اسمه عم جابر، وقال وهو بيبص ليونس
أنا قلتها من سنين… الواد ده مش مجنون.
لف الكل ناحيته.
عم جابر كمل
يوم ما رجع من الجامعة كان طبيعي… وبعدها بأسبوع اختفى، ولما ظهر كان مربوط في الزريبة.
وش جدي احمر من الغضب، وزعق
اسكت يا راجل!
لكن الضابط رفع إيده ومنعه.
ثم فتح الملف اللي كان معاه، وأخرجمنه صورة قديمة، وحطها قدام يونس.
أول ما شافها… دموعه نزلت من غير كلمة.
الصورة كانت ليه وهو لابس روب التخرج، وواقف جنب أستاذ كبير في الجامعة.
الضابط قال
الملف ده وصلنا من القاهرة بعد ما اتقفل سنين طويلة… وفيه بلاغ قديم باسمك.
أبويا اتوتر وقال بسرعة
بلاغ إيه؟
رد الضابط وهو يقلب في الأوراق
بلاغ عن اختفاء طالب جامعي متفوق… وأسرته قالت وقتها إنه فقد عقله واختفى.
يونس رفع عينه لأول مرة ناحية جدي وقال
أنا ما اختفيتش…
وسكت ثواني.
…أنا اتحبست.
الجملة وقعت على الكل كالصاعقة.
بدأت ملامح جدي تتغير، وعرق بارد نزل على جبينه.
لكن قبل ما الضابط يسأله أي سؤال…
طلع صوت ست بتصرخ من آخر الطريق
استنوا… معايا الدليل اللي هيكشف كل حاجة!
كل الرؤوس اتلفتت ناحية الصوت، وكانت ست كبيرة ماشية بصعوبة، شايلة صندوق حديد صدئ بين إيديها، وبتقول وهي بتنهج
الصندوق ده… محدش فتحه من عشرين سنة… واللي جواه هيعرفكم ليه يونس اتحبس طول العمر الست قربت وسط ذهول أهل العزبة، وكل خطوة كانت بتعملها كانت كأنها بتقرب الحقيقة أكتر.
أول ما جدي رضوان شافها، وشه شحب وقال بصوت مخنوق
فاطمة… إنتِ لسه عايشة؟!
الناس بصت لبعضها باستغراب، محدش كان يعرف الست دي غير الكبار.
قالت وهي تحط الصندوق على الأرض
كنت مستنية اليوم اللي يونس يفك فيه السلسلة بنفسه… عشان محدش يقول إني كدبت.
الضابط طلب منها تفتح الصندوق.
طلعت منه ملفات صفراء، وشهادات قديمة، وكشكول جلد بني باين عليه إنه عدى عليه سنين.
يونس أول ما شاف الكشكول، حضنه وهو بيبكي لأول مرة.
همس
دفتر أبحاثي…
الضابط قلب أول صفحة، لقى اسم يونس مكتوب بخط واضح، وتحته عشرات الرسومات والمعادلات.
لكن الورقة الأخيرة هي اللي خلت ملامحه تتبدل.
كانت رسالة مكتوبة بخط شخص تاني.
قرأ أول سطر بصوت مسموع
إذا وصل الدفتر ده لأي حد… يبقى اعرفوا إن يونس بريء.
الناس كلها اتجمدت.
أبويا عبد العزيز قرب يحاول يخطف الورقة، لكن الضابط منعه.
كمل القراءة
يونس اكتشف إن فيه تزوير كبير في أوراق ملكية أراضي العيلة… ولما واجه أخوه الكبير بالحقيقة، اتفقوا يسكتوه بأي طريقة.
بصيت ناحية جدي…
كان واقف، لكن رجليه بترتعش.
أبويا صرخ
كدب… كله كدب!
في اللحظة دي، يونس رفع صباعه ناحية شجرة الجميزة وقال بهدوء
الورق ده نسخة… أما الأصل…
وسكت.
الكل لف ناحية الشجرة.
…فلسه مدفون تحتها.
ساد صمت رهيب.
جدي فجأة اندفع يجري ناحية الشجرة وهو بيصرخ
محدش يقرب هناك!
لكن قبل ما يوصل، اتزحلقت رجله في الطين، ووقع على الأرض.
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت غريب من تحت جذور الشجرة…
صوت خشب بيتكسر.
الأرض نفسها بدأت تهبط تدريجيًا، وكأن تحتها غرفة أو سرداب قديم مخفي من عشرات السنين.
الضابط أمر الجنود يبعدوا الناس.
أما يونس، فابتسم ابتسامة كلها وجع، وقال
أخيرًا… السر اللي دفنوه معايا هيطلع للنور.
وبدأ أول عسكري ينزل بحذر إلى داخل الفتحة المظلمة…
ثم صرخ من الداخل صرخة هزت العزبة كلها الصرخة خلت كل اللي واقفين يتراجعوا خطوة، وحتى الضابط نزل بنفسه إلى الفتحة وهو مسلط الكشاف قدامه.
بعد لحظات طويلة، طلع صوته من تحت
هاتوا حبل… وانزلوا معايا بسرعة!
قلبي كان هيقف من الخوف.
بدأ العساكر ينزلوا واحد ورا التاني، وبعد دقائق طلعوا وهم شايلين صندوقًا حديديًا كبيرًا غطاه الصدأ، وعليه قفل قديم محفور عليه تاريخ يرجع لأكثر من عشرين سنة.
جدي أول ما شاف الصندوق، حاول يقوم يجري، لكن رجليه خانته ووقع تاني.
الضابط أمر بفتح القفل.
اتكسر القفل بسهولة، ولما اتفتح الغطاء، الكل اتصدم…
الصندوق كان مليان عقود بيع، وأوراق ملكية، وإيصالات، وخطابات رسمية، وكلها مختومة بأختام قديمة.
لكن في آخر الصندوق كان فيه ظرف بني كبير مكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح إلا إذا تعرض يونس لأي أذى.
الضابط فتح الظرف بحذر.
طلع منه جواب طويل، ومعاه شريط كاسيت قديم.
الناس استغربت.
الضابط سأل
فيه جهاز يشغل الكاسيت؟
رد عم جابر
عندي في البيت مسجل قديم.
جرى وجابه خلال دقائق، وكل أهل العزبة واقفين في صمت.
أول ما اتحط الشريط، خرج صوت رجل واضح جدًا…
أنا الحاج رضوان الشناوي… وبسجل الكلام ده بإيدي.
شهقت الناس.
كان صوت جدي نفسه.
لكن ملامح جدي اتبدلت، وبقى يصرخ
اقفلوا… اقفلوا التسجيل!
ولا حد سمعه.
الصوت كمل
لو التسجيل ده اتسمع، يبقى أكيد الأمور خرجت عن سيطرتي…
وفجأة سكت التسجيل ثوانٍ، ثم رجع الصوت وهو بيقول جملة خلت العيون كلها تتجه ناحية جدي في ذهول…
يونس… عمره ما كان مجنون.
وتجمدت العزبة كلها، بينما جدي دفن وشه بين إيديه لأول مرة، كأنه أدرك أن السر الذي أخفاه كل هذه السنين لم يعد يمكن إخفاؤه عمّ الصمت المكان، حتى صوت المطر بقى كأنه بعيد.
التسجيل كمل، وصوت جدي كان واضح، لكنه كان مكسور
يونس اكتشف إن فيه ناس من بره العيلة كانوا عايزين يستولوا على أرض الجميزة. رفض يمضي على أوراق البيع، وقال إنه هيبلغ الحكومة. وقتها خفت… خفت أخسر كل اللي بنيته.
الناس بدأت تبص لبعضها.
لكن التسجيل كمل بجملة قلبت الموازين
أنا غلطت… بس اللي حصل بعد كده مكانش بأمري.
جدي رفع رأسه فجأة وهو بيصرخ
كفاية… التسجيل ده متفبرك!
لكن الضابط أشار له يسكت.
خرج صوت جديد في التسجيل، صوت شخص تاني كان بيتكلم مع جدي
إحنا هنسيب يونس عايش… بس الناس لازم تفتكره مجنون، وإلا هيفضح كل حاجة.
يونس غمض عينيه، وكأن الكلمات دي رجعته لسنين الوجع.
أمي أمينة انفجرت في البكاء، وهي بتقول
يعني كان مظلوم طول السنين دي؟
أما أبويا عبد العزيز، فكان واقف مذهول، وباين عليه إنه بيسمع الكلام لأول مرة.
بص لجدي وقال بصوت مرتعش
يا بوي… الكلام ده صحيح؟
جدي مردش.
فضل ساكت، وعينيه في





