
انا راجل متجوز وعندي مشكلة
مصطفى كان وقع، ووقع جامد. بقى يعشق البيت، يعشق ريحة الأكل، يعشق صوت ضحكتها وهي بتتفرج على فيلم كوميدي. بقى يبصّلها وهي سرحانة ويسرح في جمالها الهادي. كان بيهرب من أوضته بالليل عشان ما يفكرش كتير، بس التفكير كان بيجي لوحده..
في ليلة اليوم الأربعتاشر، كانوا قاعدين يتفرجوا على فيلم، والنور مطفي وسايبين نور الأباجورة بس. الفيلم كان خلص من بدري، والشريط الأبيض عمال يوش. هما الاتنين ساكتين.
مصطفى بصّلها، لقاها بتبصله هي كمان.
أول مرة عينيه ما تهربش منها. شافت فيها حاجة ما شافتهاش قبل كده. ما كانش شفقة ولا تأنيب ضمير. كان اشتياق. اشتياق حقيقي، مكتوم بقاله اسبوعين، وهيخرج غصب عنه.
مد إيده بالراحة، ومسك إيديها اللي كانت جنبه على الكنبة. إيديها كانت باردة وبتترعش خفيف.
قال بصوت واطي جدا: “عايدة…”
ما كملش. ما كانش محتاج يكمل. كل حاجة كانت باينة في عينيه. الخوف إنه يظلمها، والحب اللي بقى أكبر من الخوف ده بمليون مرة.
عايدة بصت في عينيه، وشافت الراجل اللي حبته من وهي عيلة صغيرة، الراجل اللي بقى جوزها وحبيبها وبيتها وأمانها.
ما قالتش ولا كلمة. هزت راسها بالموافقة، وابتسامتها الهادية رجعت تنور وشها تاني، بس المرة دي كان فيها حياء وفرحة.
الصبح، مصطفى صحي بدري قبل معاد المحل بساعتين، ولقى عايدة نايمة جنبه، وشعرها واقع على خدها، ونايمة ومرتاحة كأنها أخيرا وصلت بيتها.
فضل باصصلها شوية طويلة، وبعدين طبع بوسة خفيفة على راسها، وقام عمل لنفسه كوباية شاي، وقعد في الصالة يستنى تصحى، وهو حاسس إن الشقة دي أخيرا بقت بيته بصحيح.
الشهرين اللي بعد ليلة جوازهم الحقيقية، كانوا أحلى شهرين عدوا على مصطفى وعايدة في حياتهم كلها.
البيت بقى بيت بجد. مصطفى ما بقاش ينام في الأوضة الصغيرة خالص، سريره بقى جنب سريرها، وهدومه بقت متعلقة جنب عباياتها في نفس الدولاب. كان بيصحى الصبح يلاقيها محضرة الفطار، تفطره بإيديها قبل ما ينزل المحل. وبقى يرجع بدري كل يوم، ساعات يقفل المحل العصر ويطلع، أخوه محمود بقى يضحك عليه ويقوله: “ايه يا عريس، الدهب هيطير؟”
عايدة كانت طايرة من الفرحة. أخيرا حست إن ليها راجل وبيت وسند. كانت كل يوم تستناه على الغدا، وبالليل سهرتهم قدام الفيلم بقت عادة مقدسة. كانوا بيتكلموا عن كل حاجة، عن بكرة، عن إنهم نفسهم يسافروا عمرة سوا، عن إنهم هيجيبوا قطة تربيها في البلكونة عشان البيت يبقى فيه حس.
لحد ما في أول الأسبوع التاسع لجوازهم، عايدة بدأت تتعب.
الأول كانت دوخة خفيفة وهي واقفة في المطبخ. قالت يمكن من الحر بتاع المنيا في شهر تمانية. بعدها بكام يوم بقت بتصحى الصبح دايخة ومعدتها مقلوبة، مش طايقة ريحة الأكل. وشها بقى أصفر، وجسمها همدان طول الوقت.
مصطفى خد باله طبعا. قالها: “مالك يا عايدة، وشك مخطوف ليه؟”
قالتله: “مفيش، شوية برد في معدتي وهتروح.”
بس التعب كان بيزيد كل يوم. في يوم رجع من المحل لقاها نايمة على الكنبة ومش قادرة تقوم تعمل الغدا. أول ما شافها كده، قلبه وقع في رجليه.
قالها: “قومي البسي، هننزل للدكتورة حالا.”
خدها لدكتورة سعاد، دكتورة النسا اللي نص ستات المنيا بيكشفوا عندها، عيادتها فوق صيدلية النصر في شارع طه حسين. قعدوا في أوضة الانتظار ساعة كاملة، مصطفى ماسك إيد عايدة ومش سايبها، وبيقولها: “ما تخافيش، شوية إرهاق وهتبقي زي الفل.”
دخلوا للدكتورة. كشفت على عايدة، وسألتها كام سؤال، وبعدين بصت للتحليل السريع اللي الممرضة عملته برا.
الدكتورة سعاد شالت نضارتها وابتسمت ابتسامة كبيرة، وقالت لمصطفى: “مبروك يا أستاذ مصطفى، المدام حامل. في أول الشهر التاني.”
الكلمة نزلت على الأوضة زي قنبلة.
عايدة شهقت وحطت إيديها على بوقها، عينيها وسعت، مش فاهمة. بصت لمصطفى بفرحة متلخبطة.
إنما مصطفى… مصطفى اتجمد مكانه. وشه اتخطف، بقى أبيض زي الورقة.
قال بصوت مبحوح، كأنه مش سامع كويس: “نعم؟ بتقولي ايه يا دكتورة؟”
الدكتورة ضحكت: “بقولك مبروك، مراتك حامل يا سيدي. ايه، مش مصدق ولا ايه؟”
قال تاني، وهو بيبص لعايدة وبعدين للدكتورة: “ازاي؟ حامل ازاي؟”
الدكتورة استغربت نبرته، وقالت بجدية: “زي كل الستات ما بتحمل يا أستاذ. التحليل إيجابي، والسونار مبين كيس الحمل. المدام حامل في أول التاني، يعني من حوالي ست أسابيع.”
عايدة كانت قاعدة مصدومة، لا عارفة تفرح ولا تعيط. كانت بتبص لمصطفى مستنية منه كلمة، حضن، أي حاجة. بس هو كان ساكت، عينيه زايغة، كأنه أخد خبطة على دماغه.
خرجوا من العيادة ساكتين. طول الطريق في التاكسي راجعين البيت، مصطفى ما نطقش ولا كلمة. كان باصص من شباك العربية على شارع الكورنيش، بس ما كانش شايف حاجة. دماغه بتنفجر.
سنتين. سنتين كاملين مع منار، لفوا فيهم على دكاترة مصر كلها، وكل التحاليل بتقول العيب عنده هو، وإنه مستحيل يخلف. سنتين وهو شايل كسرة نفسه قدام البلد كلها، ومتطلق ومتشوهة سمعته.
وبعدين يتجوز عايدة، ومن أول شهرين، شهرين بس، تبقى حامل؟ ازاي؟ ازاي تحصل؟
دخلوا الشقة. عايدة قلعت طرحتها وقعدت على الكنبة، تعبانة ومرهقة، ومش فاهمة ماله.
قالتله بصوت ضعيف: “مصطفى… انت مش فرحان؟”
ما ردش. قعد قصادها وحط راسه بين إيديه.
عايدة قربت منه، وحطت إيديها على كتفه: “يا حبيبي، ده رزق ربنا، ربك قادر على كل شيء، مش انت اللي كنت بتقول كده؟”
رفع وشه وبصلها، وعينيه كانت حمرا ومليانة لخبطة توجع القلب. ما كانش فيها فرحة، كان فيها خوف وشك وحسابات بتلف بسرعة.
عايدة لما شافت النظرة دي، قلبها اتقبض. حست إنه مش مصدق. مش مصدق إنها حامل منه هو.
قالت بسرعة، ودموعها بدأت تتجمع: “والله العظيم ابنك، مصطفى، انت شاكك فيا؟ طب تعال نروح لدكتورة تانية، واتنين وتلاتة، لو عايز نروح القاهرة نروح، يمكن الدكتورة دي غلطانة…”
مصطفى ما ردش عليها خالص. قام وقف مرة واحدة، وسابها قاعدة لوحدها في الصالة، ودخل الأوضة الصغيرة اللي كان بينام فيها أول الجواز، وقفل الباب وراه بالمفتاح.
عايدة فضلت قاعدة لوحدها في الصالة، سامعة صوت المفتاح وهو بيلف في الباب. حطت إيديها على بطنها اللي لسه ما بانش عليها حاجة، وبدأت تعيط بصوت مكتوم.
كانت فاكرة إنه هيشيلها من على الأرض من الفرحة. فاكرة إنه هيحضنها ويقولها الحمد لله ربنا عوضنا.
إنما هو سابها لوحدها، ورجع ينام في الأوضة التانية، كأنه بيقولها من غير كلام: أنا مش مصدق إن الطفل ده ابني.
نامت عايدة الليلة دي على الكنبة في الصالة، إيديها على بطنها، بتعيط لحد ما نامت من التعب، ومصطفى جوه في الأوضة الصغيرة صاحي بيبص في السقف، والف سؤال بياكل في دماغه، ومش لاقي ولا إجابة واحدة تريحه.
مصطفى ما نِمش طول الليل.





