
انا راجل متجوز وعندي مشكلة
قعد مصطفى أربع ساعات في المستشفى. سحب عينات، أشعة، فحوصات كاملة. وكان قاعد في الطرقة مستني النتيجة وقلبه بيدق كأنه هيقف.
الدكتور خرجله بالملف في إيده، وابتسم: “يا أستاذ مصطفى، انت زي الفل. طبيعي جدا، مفيش عندك أي مشكلة تمنع الخلفة، لا دلوقتي ولا قبل كده. تقدر تخلف من أول يوم جواز عادي جدا.”
مصطفى تنح: “يعني ايه؟ يعني التحاليل القديمة دي كانت ايه؟”
الدكتور قال: “أكيد كانت غلط. ساعات المعامل بتتلخبط. هاتلي التحاليل القديمة أبص عليها.”
مصطفى سكت ثانية، وبعدين افتكر: “التحاليل القديمة… منار خدتها معاها يوم الطلاق. لمت كل ورقها ومشيت.”
خرج من المستشفى وهو دايخ. يعني ايه طبيعي؟ يعني سنتين عذاب على الفاضي؟ ركب ورجع المنيا على طول، بس ما طلعش على البيت. طلع على عيادة الدكتور اللي كان متابع معاه هو ومنار من سنتين، الدكتور اللي يبقى قريب منار من بعيد.
دخل عليه المكتب ورمى قدامه التحاليل الجديدة. قال: “أنا عرفت الحقيقة. أنا بخلف.”
الدكتور وشه اتلخبط، وحاول يتهرب: “يا ابني ما يمكن ربنا شفاك…”
مصطفى خبط بإيده على المكتب، وصوته علي لأول مرة في حياته جوه عيادة: “ما تحورش عليا! قول الحقيقة، يا إما هبلغ عنك وهقفلها لك العيادة دي!”
تحت الضغط، الدكتور انهار واعترف. قال إن منار جتله لوحدها قبل ما تقول لمصطفى أي حاجة، ومعاها تحاليلها هي،. اترجته يبدل الأسامي في التقرير، عشان جوزها ما يطلقهاش لو عرف إن العيب منها. وهو، عشان قريبها وضعف قدام زنها، عمل كده. واداها تقرير باسم مصطفى يقول إن العيب عنده هو.
مصطفى حس بالدم بيغلي في عروقه. خد التقرير الأصلي اللي الدكتور طلعه من الأرشيف، ومشي من غير ولا كلمة.
طلع على بيت أهل منار. خبط على الباب جامد. منار فتحت، أول ما شافته وشها اتخطف.
قبل ما تنطق، رمى الورق في وشها قدام أبوها وأمها اللي جم على الصوت.
قال: “خدي كدبك أهو. عشان تبقي تكملي تشويه في سمعة الناس براحتك.”
أبوها مسك الورق، قراه، وبص لبنته مصدوم. أمها حطت إيديها على بوقها. منار واقفة متسمرة، مش قادرة تفتح بوقها بكلمة.
مصطفى بصّلها آخر بصة، بصة كلها قرف، وقال: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي.” ولف ومشي، وسابهم واقفين مصدومين في فضيحتها.
نزل جري على الصاغة. ما طلعش البيت على طول. وقف قدام محل الدهب بتاعه، ونده على الواد الصبي: “انزل هاتلي اتنين جزارين حالا، وقول لأمي الحاجة نفيسة تنزل.”
أمه نزلت مفزوعة: “في ايه يا ولدي؟”
قالها بصوت عالي يسمع الشارع كله: “مراتي حامل يا أمي. عايدة حامل في ابني. النهاردة في دبايح لله، وهوزع على البلد كلها. خلي اللي يتكلم يتكلم تاني!”
الزغاريط ملت الشارع. الحاجة نفيسة زغرطت زغرودة هزت الصاغة، وبعتت تجيب شربات وتوزع على المحلات واللي رايح واللي جاي. مصطفى واقف قدام المحل بيضحك من قلبه، وبيقول لكل اللي يقابله: “ربنا هيرزقني بأول مولود من مراتي حبيبتي، عقبال عندكم كلكم.”
فوق في الشقة، عايدة كانت قاعدة لوحدها، عينيها وارمة، وبطنها بتوجعها من العياط طول الليل. سمعت زغاريط تحت، افتكرت في حد عنده فرح في الشارع. قامت تبص من شباك المطبخ، لقت حماتها بتوزع شربات، والناس متلمية قدام محل جوزها، ومصطفى واقف في النص بيضحك ووشه منور.
اتلخبطت. مش فاهمة أي حاجة.
بعد دقايق، باب الشقة اتفتح بقوة. مصطفى دخل طاير، لقى عايدة واقفة في الصالة بتبصله وعنيها مليانة دموع وخوف.
جري عليها، مسك إيديها الاتنين وباسهم، ونزل على ركبته قدامها.
قال وهو نفسه مقطوع من الجري والفرحة: “سامحيني يا عايدة. سامحيني يا حبيبتي. أنا آسف، آسف على كل ثانية سيبتك فيها لوحدك امبارح.”
عايدة بتعيط: “في ايه يا مصطفى؟ ايه اللي بيحصل تحت؟”
حكالها كل حاجة. حكالها عن المستشفى، وعن الدكتور الكداب، وعن منار، وعن التقرير اللي كان مزور. حكالها وهو ماسك إيديها ومش سايبها ثانية.
قال: “كنتي حامل في ابني، وانا الغبي اللي شكيت، مش فيكي انتي، شكيت في رحمة ربنا. سامحيني.”
عايدة سمعت كل الكلام وسكتت، وبعدين دموعها نزلت، بس المرة دي دموع فرحة. حضنته وقالت: “أنا مقدرة اللي انت مريت بيه، مقدرة وجعك كله. المهم إنك رجعتلي.”
مصطفى حضنها جامد، كأنه بيحضن الدنيا كلها، وقال: “ربنا عوضني بيكي انتي، انتي اللي هتبقي أم عيالي.”
—
عدت سبع شهور بسرعة، كأنهم سبع أيام.
عايدة ولدت في مستشفى النيل في المنيا، وجابت ولد زي القمر، سموه محمد على اسم أبو مصطفى الله يرحمه.
مصطفى كان شايله بين إيديه ومش مصدق نفسه، بيبوس في راسه كل دقيقة.
بالليل، بعد ما كل الناس مشيت، كان قاعد جنب سرير عايدة في أوضة المستشفى، ومحمد نايم في حضنها.
بصّلها وقال وهو بيضحك: “بقولك ايه يا أم محمد، أنا عايز عيال كتير منك، عيلة تملا البيت ده كله.”
عايدة ضحكت، وشها منور بالتعب والفرحة: “براحتك، اللي يجيبه ربنا.”
قرب منها وباس راسها، وقال: “أنا بحبك يا عايدة، بحبك أوي.”
بصتله بعيونها اللي كلها حب، وقالت الكلمة اللي كانت شايلاها في قلبها من سنين، من قبل ما يتجوز الأولى أصلا: “وأنا بحبك يا مصطفى. بحبك من زمان أوي.”
ناموا هما التلاتة في الأوضة، مصطفى ماسك إيد عايدة، وعايدة حاضنة محمد، وأخيرا البيت الصغير اللي فوق محل الدهب بقى فيه العيلة اللي كانوا بيحلموا بيها.
تمت.
الكاتبة ملك إبراهيم
“جميع أحداث هذه القصة وشخصياتها من نسج الخيال، ولا تمت للواقع بصلة.”





