قصص قصيرة

مراتي ماتت

مراتي ماتت ومرات ابني وصلت العزا متأخرة بالكعب اللامع وقالت له أمك ارتاحت جه دورنا نعيش! وأنا حضنت صورة مراتي وسكت، لأني كنت مستني المحامي يفتح الوصية اللي كانت مخبية صوتها بنفسها
الجزء الأول
وصلت ياسمين عزاء حماتها وهي لابسة فستان نبيتي شيك، وكعب عالي بيلمع، ونضارة سودة ماركة، وابتسامة هادية كأنها واقفة قدام المراية بتتدرب عليها من قبل ما تيجي.
أول ما دخلت سرادق العزاء في شبرا، كل العيون راحت عليها قبل حتى ما تبص على صورة الحاجة فاطمة المحطوطة جنب النعش.
محدش اتكلم
لكن الصمت نفسه اتغير.
الستات اللي كانوا بيوزعوا القهوة السادة سكتوا.
الرجالة بطلت همس.
حتى الشيخ اللي كان بيقرأ القرآن وقف لحظة، وكأنه مش لاقي آية تناسب اللي شافه.
أما الحاج حسن
جوز الحاجة فاطمة من أربعة وتلاتين سنة
فما بقاش عنده طاقة يزعل.
كان قاعد في أول صف، لابس البدلة السودة اللي مراته كوتها بنفسها يوم فرح ابنه أحمد من خمس سنين.
لسه ريحة منعم الغسيل اللي كانت بتحبه فيها.
ضم إيده فوق ركبته وبص للصندوق الخشب.
أربعتاشر شهر كامل وهو بيتفرج على السرطان وهو بياخد منها كل حاجة
صوتها
وزنها
ضحكتها
وشعرها
وفي الآخر حتى قدرتها إنها تمثل إنها مش خايفة.
دخل أحمد وراه ياسمين.
أحمد كان باين عليه التعب الحقيقي.
عينه وارمة.
هدومه مكرمشة.
وشكله عامل زي طفل تايه.
جري على أبوه وحضنه.
وقال بصوت مكسور
سامحني يا بابا اتأخرنا.
الحاج حسن ربت على ضهره وقال
المهم إنك جيت يا ابني.
أما ياسمين
فوقفت وراهم.
ريحة البرفان الغالي مالية المكان.
لا سلمت على الحاج حسن.
ولا قربت من النعش.
ولا حتى قرأت الفاتحة.
كل اللي عملته إنها عدلت ياقة قميص جوزها وهمست في ودنه
خلاص الست ارتاحت وإحنا كمان لازم نبدأ نعيش.
الكلمة وصلت للحاج حسن كاملة.
وحس إن قلبه اتكسر للمرة التانية في نفس اليوم.
طول فترة مرض فاطمة
ياسمين كانت بتيجي البيت كتير.
بس عمرها ما جابت شوربة.
ولا وردة.
ولا حتى كلمة طيبة.
كانت تيجي بأسئلة.
البيت هيتكتب لمين؟
التأمين كام؟
حساب البنك فيه قد إيه؟
أرض أبو حماتك لسه باسمها؟
وكانت كل مرة تقول
لازم الدنيا تبقى مترتبة بعد الوفاة المشاكل بتبدأ.
الحاجة فاطمة كانت تبتسم ابتسامة صغيرة وتسكت.
والحاج حسن كان فاكر إن ده من تعب المرض.
دلوقتي
بدأ يشك إن مراته كانت شايفة حاجة هو مش شايفها.
انتهى العزاء واتدفنت الحاجة فاطمة.
الحاج حسن فضل ماسك حفنة التراب في إيده ومش قادر يرميها.
أحمد هو اللي مسك إيده وساعده.
وقفوا جنب بعض
أب وابنه
يبصوا على الورد الأبيض وهو بيغطي القبر.
أما ياسمين
فكانت واقفة بعيد تحت ظل شجرة.
بتتكلم في الموبايل.
وتضحك بصوت واطي.
بعد الدفن مباشرة
قرب منهم راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك شنطة جلد.
كان الأستاذ جلال
محامي الأسرة من أكتر من عشرين سنة.
قال للحاج حسن بهدوء
مدام فاطمة سابت تعليمات واضحة الوصية لازم تتقري النهارده.
الحاج حسن رفع عينه باستغراب.
النهارده؟
أيوه وكانت مصرة إن حضرتك، وأحمد، وياسمين تكونوا موجودين.
أول ما ياسمين سمعت اسمها
لفت بسرعة.
علامات الضيق اللي كانت على وشها اختفت.
وحل مكانها اهتمام غريب.
قالت
أنا كمان؟
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة وقال
خصوصًا حضرتك.
بعد ساعة
كانوا قاعدين في مكتب الأستاذ جلال في وسط البلد.
التكييف صوته أعلى من أي حد.
الحاج حسن قاعد ساكت.
أحمد واقف جنبه.
أما ياسمين
فقعدت حاطة رجل على رجل، وحضنة شنطتها، وممثلة الحزن بمنتهى الاحتراف.
بدأ المحامي يقرا الوصية.
شوية دهب لأختها.
مكتبة كاملة تتبرع لمدرسة كانت بتشتغل فيها.
مبلغ لجمعية خيرية.
ياسمين كانت سرحانة.
لكن أول ما سمعت كلمات
البيت
الأرض
الحسابات
اعتدلت في قعدتها فورًا.
ساعتها
طلع المحامي ظرف لونه أوف وايت مربوط بشريط بنفسجي.
وقال
قبل ما أكمل مدام فاطمة طلبت إن الرسالة دي تتقري الأول.
أحمد وطى راسه.
أما ياسمين
فابتسمت.
فتح المحامي الظرف
وفرد الورقة
وقرأ أول سطر بصوت واضح
لو ياسمين قاعدة قدامي دلوقتي بنفس اللمعة اللي كانت في عينيها كل مرة تسألني بيتي بكام فأنا بقيت متأكدة إن موتي ماكانش الحاجة الوحيدة اللي كانت مستنياها.
وفي اللحظة دي
الصمت بقى أتقل من أي كلمة.
الجزء الثاني
أول حد كسر الصمت
كانت ياسمين.
ضحكت ضحكة ناشفة، وقالت وهي بتبص لأحمد
يعني إيه الكلام ده؟! دي وصية ولا مسلسل؟
وبعدين بصت للمحامي وقالت بحدة
مرات عمري كانت في آخر أيامها واخدة مسكنات ومورفين كانت ساعات ما تعرفش اليوم من الأسبوع إزاي تعتبروا الكلام ده دليل؟
المحامي الأستاذ جلال حتى ما رفعش عينه.
فضل باصص في الورقة وكمل بنفس النبرة الهادية
الحاجة فاطمة كتبت
يا أحمد قبل ما تزعل من كلامي، افتكر إن مش كل حد بيقولك إنه بيحبك يبقى بيحافظ عليك ساعات الطمع بيلبس هدوم الاهتمام والواحد ما بيكتشفهوش غير بعد فوات الأوان.
إيد أحمد اتقبضت.
أما الحاج حسن
فبدأ يحس إن مراته لسه موجودة في الأوضة.
كأن صوتها خارج من كل حرف.
كأنها قاعدة بينهم.
المحامي قلب الصفحة.
وقال
وفي الرسالة مكتوب كمان
ياسمين دخلت أوضتي سبعتاشر مرة وأنا لوحدي في اتناشر مرة سألتني عن الشقة ست مرات عن الأرض اللي ورثتها عن أبويا خمس مرات عن حسابات البنك وتلات مرات قالتلي بالحرف إن حسن هيكون أحسن في دار مسنين لأن راجل كبير لوحده في شقة واسعة خسارة.
المرة دي
أحمد لف ناحية مراته ببطء.
وقال
إنتي قولتي كده؟
ياسمين فردت إيديها بسرعة.
لا طبعًا مش بالشكل ده أنا كنت بتكلم بمنطق.
منطق؟
أيوه باباك مش هيعرف يعيش لوحده وأنا كنت بفكر لمصلحته.
الحاج حسن ما اتكلمش.
كان نفسه يصرخ
لكن وجعه كان أكبر من صوته.
المحامي فتح ملف تاني.
وقال
الحاجة فاطمة كتبت كمان إن من أربع شهور
وسكت لحظة.
إن ياسمين دخلت عليها البيت ومعاها محامي تاني، وطلبت منها تمضي على أوراق.
ياسمين قامت واقفة مرة واحدة.
كدب!
الأستاذ جلال طلع ورقة مختومة.
الأوراق دي نسخة من المشروع اللي اتقدم للحاجة فاطمة.
أحمد أخد الورقة

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى