
حكايه دياب وفاتن
الكلمات طلعت من فاتن قوية، ثابتة، ومفيهاش ذرة رعشة. دياب حس إن الكلمة زي القلم على وشه. بص للبنت الأجنبية اللي كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها ومستنية إجابته، وبعدين بص لفاتن.. الفستان، الكحل، الوقفة الشامخة اللي الغربة ولا قسوته.
في اللحظة دي، الغرور اللي كان مالي دياب اتبخر، والدم الصعيدي الأصيل اللي بيجري في عروقه غلى. فجأة، حس بالخجل من نفسه ومن تفاهته.
التفت للبنت الأجنبية، وملامحه اتبدلت لصرامة قاطعة، وقالها بالإنجليزية بلهجة حادة:
“She is not a maid. She is my Wife… and my Queen.”
(هي ليست خادمة. هي زوجتي… وملكتي).
البنت الأجنبية فتحت عينيها “زوجتك؟! أنت لم تخبرني قط أنك متزوج! أنت كاذب يا دياب!”
دياب شاورلها على الباب ببرود: “انتهينا. اتفضلي بره، ومعدتيش تلزميني.”
طلعت البنت وهي بتشتم، ورزعت الباب وراها. الشقة رجعت لهدوءها، بس كان هدوء ما قبل العاصفة.
كرامة بنت الأصول
دياب لف وشه لفاتن، كان متوقع تبتسم أو تفرح إنه دافع عنها، لكنه لقاها بتحط صينية البسبوسة على الترابيزة بهدوء عجيب، وبتبصله بنظرة خالية من أي مشاعر.
”فاتن… أنا…” حاول دياب يتكلم، بس هي قاطعته بإيدها:
“وفر كلامك يا ابن عمي. أنا ماكنتش مستنية منك شهادة قدامها. أنا عارفة أنا مين، وبنت مين. بس أنت اللي كنت ناسي أنت مين.”
قربت منه خطوة، وصوتها كان هادي بس بيقطع زي السيف:
“أنا رضيت بحكم جدي مش قلة حيلة، ولا عشان ماليش مكان. أنا رضيت عشان أحافظ على اسم عيلتنا اللي أنت كنت مستعد تدوس عليه عشان حريتك الكدابة. من النهارده، أنا مش خدامتك يا دكتور. أنا هنا شريكتك في المكان ده، غصب عنك أو برضاك. هدومك تتغسل بإيدك، وأكلك تعمله لنفسك. أنا هنا عشان أبني نفسي، مش عشان أمسح سلم طموحك.”
سابت دياب واقف مذهول، دخلت أوقفلت الباب. الليلة دي، دياب ماعرفش ينام. كلماتها كانت بترن في ودانه، وأخيراً شافها… شاف “فاتن” الحقيقية.
رحلة التغيير
من اليوم ده، فاتن اتغيرت تماماً. ما بقتش الظل اللي بيتحرك في من غير صوت. طلبت من دياب فلوس مصروفها اللي كان جده بيبعتهولها، واشترت كتب إنجليزية، وبدأت تتعلم اللغة من الإنترنت والبرامج.
بدأت تنزل تتمشى في شوارع لندن، تتعرف على الثقافة، تشتري لبس يليق بيها وبحجابها بس بأناقة لفتت أنظار دياب نفسه.
دياب كان بيراقبها من بعيد. كل يوم انبهاره بيها بيزيد. البنت اللي كان شايفها جاهلة وعبء، طلعت أذكى منه. اتعلمت اللغة في شهور، بقت تقرأ كتب في الأدب والتاريخ، وبقت تناقشه في أمور سياسية وعلمية وهو فاتح بقه من الصدمة.
في نفس الوقت، دياب كان بيعاني. المذاكرة، الشغل في المستشفى، وشغل البيت اللي فاتن سابتهوله خلوه يعرف قيمتها. عرف إنها كانت شايلة عنه جبل عشان هو ينجح، وهو قابل ده بالجحود.
نقطة التحول
في السنة التالتة لدراسته، دياب كان بيمر بأصعب فترات حياته. امتحانات الزمالة قربت، وضغط الشغل في المستشفى هده. في يوم رجع ا، ووقع من طوله في الصالة من الإرهاق وحمى شديدة مسكت في جسمه.
فتح عينه بعد ساعات، لقى فاتن قاعدة جنبه. كمادات باردة على راسه، ريحة شوربة دافية في ، وعينيها فيها قلق حقيقي، مش قلق خوف، بس قلق “بنت الأصول” اللي ماتسيبش حد في محنته.
فضل تعبان أسبوع، وفاتن ما سابتهوش لحظة. سهر، رعاية، ودعم نفسي. وفي ليلة، وهو بيفوق من الحرارة، مسك إيديها قبل ما تقوم.
“ليه يا فاتن؟… ليه بتعملي كده بعد كل اللي عملته فيكي؟”
ابتسمت بهدوء وسحبت إيديها برفق:
“عشان دي أخلاقي يا دياب، مش أخلاقك. أنا بعمل بأصلي، والزرعة الطيبة بتطرح خير حتى لو الأرض اللي تحتها كانت قاسية.”
الكلمة دي كانت السهم الأخير اللي اخق قلب دياب. بكى… لأول مرة دكتور دياب المغرور يبكي. عرف إن الشهادات والتعليم والسفر ماعملوش منه إنسان، بس البنت البسيطة دي هي اللي علمته يعني إيه “إنسانية ورجولة”.
الاعتراف
بعد ما خف ونجح في امتحاناته بتفوق، دياب حجز عشا في أرقى مطعم في لندن. طلب من فاتن تيجي معاه.





