قصص قصيرة

اتجوزت جوزي بقلم اماني سيد

نجار.
قلت له
لو سمحت، شوفلي المقاسات دي.
النجار لف في الصالة وقاس الحيطة والشباك وباب الأوضة.
سعيد خرج من أوضته بسرعة.
هو فيه إيه؟
قلت بمنتهى الهدوء
شغل.
شغل إيه؟
تعديل بسيط.
تعديل في إيه؟
هتعرف لما يخلص.
النجار خلص ومشي، وسعيد فضل يبصلي وكأنه هيجن.

بالليل، صحيت على صوت همس خارج أوضتي.
قربت من الباب بهدوء.
سمعت مراته بتقوله
أنا مش مرتاحة… حاسة إن فيه حاجة مستخبية.
قال بضيق
وأنا كمان.
ما تفتح الملف اللي مخبياه.
رد بعصبية
دورت… معرفتش أوصل لحاجة.
ابتسمت وأنا واقفة ورا الباب.
كانوا لسه فاكرين إن الملف هو السر.
وماكانوش يعرفوا إن الملف… مجرد طُعم.
أما السر الحقيقي…
فكان في مكان تاني خالص، بعيد عن أي حد ممكن يفكر يدور عليه.
رجعت سريري وأنا مطمنة.
كل خطوة كانوا بياخدوها بدافع الفضول، كانت بتقربهم أكتر من الفخ اللي أنا رسمته بهدوء… ولسه اللحظة الحاسمة ماجتش عدّى أسبوع كامل، والبيت بقى مليان توتر.
سعيد بقى يراقب كل حركة بعملها، وأنا متعمدة أتصرف بمنتهى الطبيعية.
وفي صباح يوم الجمعة، وأنا بشرب القهوة في البلكونة، سمعته بينادي عليّ.
فوزية… تعالي.
دخلت الصالة.
لقيته ماسك ورقة حسابات وقلم.
قال وهو بيحاول يبان هادي
بصي… من الشهر الجاي المصاريف زادت، وإحنا

محتاجين نزود ميزانية البيت.
ابتسمت وأنا قاعدة قدامه.
فعلاً؟
أيوه… اللبن، والدكاترة، والأدوية… كله بقى غالي.
هزيت راسي.
معاك حق.
وشه انفرج، افتكر إني هطلع الفلوس كعادتي.
لكني كملت بهدوء
يبقى كل واحد يصرف على بيته من مرتبه.
اتجمد مكانه.
يعني إيه؟
يعني أنا هتحمل نصيبي من البيت اللي يخصني، وأنت تتحمل مسؤولية بيتك وأسرتك واختياراتك.
قال بعصبية
إنتِ بتتكلمي بجد؟
طبعًا.
وإحنا متفقين من زمان!
الاتفاق كان بين زوج وزوجته، قبل ما يبقى فيه بيت تاني ومسؤوليات تانية.
مراته كانت واقفة على باب الأوضة، ووشها اصفر.
واضح إنها أول مرة تعرف إن أغلب مصاريف البيت كانت طالعة من جيبي.

من اليوم ده، بدأ سعيد يحسبها.
كل ما ينزل يشتري حاجة، يلاقي الفلوس بتخلص بسرعة.
طلبات مراته الجديدة كل يوم بتزيد.
كشف دكتور…
تحاليل…
فيتامينات…
فاكهة…
ومواصلات.
وفي آخر الشهر، لقي نفسه مستلف من اتنين من أصحابه.
ورغم كده… أنا ولا اتكلمت، ولا عرضت أساعد.

في ليلة، دخل عليا أوضتي بعد ما خبط.
وقف شوية وقال بصوت هادي لأول مرة من شهور
فوزية… ممكن نتكلم؟
قفلت الكتاب اللي في إيدي.
اتفضل.
قعد على الكرسي المقابل وقال
إحنا عشرة عمر.
صحيح.
ومينفعش نبقى أعداء.
ابتسمت.
أنا عمري ما كنت عدوة ليك

يا سعيد.
سكت شوية، وبعدين قال
لو احتجت منك مساعدة الفترة دي…
بصيتله في عينه وسيبته يكمل.
بلع ريقه وقال
تبقي تقفي جنبي… زي زمان.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكني ما رديتش.
وسبت الصمت يجاوبه.
خرج من الأوضة وهو حاسس لأول مرة إن الأرض بدأت تتحرك من تحت رجليه… بينما أنا كنت أعرف أن الضغوط الحقيقية لسه في بدايتها، وأن الأيام القادمة ستحمل مفاجآت أكبر بكثير بعد شهرين، الشقة بقت غير اللي كانت عليه.
سعيد بقى مرهق، والديون زادت عليه، ومراته الجديدة اكتشفت إن الحياة مش زي الأحلام اللي رسمهالها. بقت كل يوم تطلب طلب، وهو يرد
اصبري الشهر ده.
فترد بعصبية
أنت كنت قايل إنك هتعيشني مرتاحة!
وأنا؟ كنت عايشة بهدوء، لا بتتدخل ولا بتعلق.
وفي يوم قلت لسعيد وأنا بحضر شنطتي
أنا خارجة ساعتين، ولما أرجع عايزاكم قاعدين في الصالة… عندي كلام مهم.
بصلي باستغراب، لكنه وافق.

رجعت بعد ساعتين، ومعايا نفس الراجل اللي كان زارني قبل كده.
دخل وقعد، وأنا طلعت الملف الأزرق من الدولاب وحطيته قدام سعيد.
قلت بهدوء
افتحه.
فتح الملف بإيد مرتعشة.
لقى إيصالات وفواتير وعقود… وكل ورقة تثبت إن كل حاجة في الشقة تقريبًا اتدفعت من مرتبي مقدم الشقة، التشطيب، الأجهزة، الأثاث، وحتى أغلب الأقساط الشهرية.
بصلي

وهو مذهول.
إيه ده؟
قلت بهدوء
ده تعب السنين… كنت محتفظة بكل ورقة.
الراجل قال
وأنا راجعت كل المستندات، وكلها سليمة.
سعيد بدأ يتوتر.
يعني إيه؟
بصيتله بثبات وقلت
يعني لما قررت تحولني لمجرد ممولة لبيتك الجديد، أنا قررت أوقف ده.
ثم طلعت ظرفًا تاني وحطيته قدامه.
وده طلب نقلي لشقة تانية قريبة من شغلي، اتوافق عليه من أسبوع.
رفع رأسه بسرعة.
يعني… هتمشي؟
أيوه.
وتسيبيني؟
ابتسمت ابتسامة فيها وجع، لكن فيها كرامة.
أنت اللي سبتني يا سعيد… يوم ما طلبت مني أمول جوازك، ويوم ما خليتني غريبة في بيتي.
سكت… وملاقاش كلمة يقولها.
مراته الجديدة بدأت تبص حواليها بخوف، لأنها أدركت إن الشخص اللي كان شايل أغلب مصاريف البيت خلاص خارج من حياتهم.
قلت وأنا بقفل الملف
متقلقوش… هاخد حاجتي اللي أنا جبتها بفلوسي، وكل حاجة مشتركة هتفضل زي ما هي. لا هظلمكم، ولا هسمح لحد يظلمني.
وقفت، وشيلت شنطتي.
وقف سعيد يجري ورايا.
فوزية… استني… إحنا ممكن نصلح كل حاجة.
لفيت له آخر مرة.
في حاجات بتتكسر وتتصلح… وفي حاجات أول ما الكرامة تنكسر، مبتترجعش زي الأول.
فتحت باب الشقة، وبصيت للمكان اللي قضيت فيه سنين من عمري.
ثم خرجت من غير ما أبص ورايا.
وبعد شهور، عرف سعيد إن الأبوة اللي كان بيحلم بيها محتاجة

مسؤولية وعدل قبل أي شيء، وإن الإنسان ممكن يخسر أوفى شخص في حياته، ليس لأنه لم يُنجب منه، بل لأنه لم يحفظ له المعروف.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى