قصص قصيرة

كرسي متحرك

جوزي اللي شالني على كفوف الراحة ٥ سنين بعد حادثة خلتني مشلولة فجأة صمم ننام كل واحد فينا في أوضة نوم منفصلة بحجة انه عايز حرية أكتر”! 

​بدأت أسمع أصوات غريبة ودوشة وخبط كل ليلة جي من اوضتة .. خيالاتي أخدتني لأصعب سيناريو ممكن تتخيله أي ست في مكاني، وبدأت أقتنع إنه بيجهز لحياته الجديدة بعيد عني.
​لحد الليلة اللي قررت فيها أواجه خوفي وأفتح باب الأوضة اللي بقاله فترة قافله في وشي.. واللي شوفته جوه خلاني أقف مصدومة وأعيط من غير صوت! 

​من خمس سنين، حادثة عربية قلبت حياتي ١٨٠ درجة. في لحظة كنت ست بتمشي جنب جوزها، بنرقص في المطبخ، بنخلص مشاويرنا من غير تفكير، وبنخطط لفسح نهاية الأسبوع واللحظة اللي بعدها، لقيت نفسي فايقة في سرير المستشفى، مش حاسة برجلي خالص.
​كنت مشلولة من وسطي لتحت.
​الدكاترة قالولي إن الضربة كانت قوية ومأثرة على الحبل الشوكي بطريقة صعبة الوصف.
​بس “أحمد” مسابنيش لحظة.
​اتعلم إزاي يشيل الكرسي بتاعي ويدخله العربية. ساعدني وعلمني إزاي أنقل نفسي من السرير للكرسي من غير ما يحسسني بقلة حيلة. غير ديكورات البيت كله عشاني – عمل منحدرات في البيت اقدر امشي بيها بالكرسي ، ووطى الأرفف، ووسع الممرات. كان بيحضني في الليالي اللي كنت بصرخ فيها من وجع الدنيا.
​الناس كلها كانت بتقولي: “يا بختك، فين هتلاقي راجل زيه؟”.
​بس من فترة قريبة، رماني بقنبلة: “أنا شايف إننا لازم ننام في أوض منفصلة، محتاج حرية أكتر وأنا نايم”.
#انجي_الخطيب
​حرية.
​الكلمة دي وجعتني أكتر من وجع الشلل نفسه.
​حرية من إيه؟
​مني أنا؟
​من الكرسي اللي مركون جنب السرير؟ من الطريقة اللي كان بيتحرك بيها بحذر حواليا؟ من الليالي اللي كنت بحتاجه فيها؟ من الحياة اللي هو مكنش عايزها بس اتجبر يعيشها عشاني؟
​بلعت أسئلتي وسكتت لأني كنت مرعوبة من الإجابة.
​همست بصوت مخنوق: “أنا عملت حاجة ضايقتك؟”.
​أحمد وقف مكانه.
​ملامحه اتغيرت بسرعة: “لا يا نادية، لا طبعاً”.
​”أومال حاسة ليه إنك بتبعد عني؟”.
​قرب ولمس إيدي، بس حتى اللمسة دي كان فيها حاجة غريبة.
​قال: “أنا مش هسيبك، أنا بس هنام في أوضة الضيوف”.
​بس.
​كأن الكلمة الصغيرة دي كفيلة تزود الوجع…
​في الليلة دي، نمت لوحدي في سريرنا لأول مرة من سنين.
​جنبي في السرير كان فاضي وبارد.
​الأوضة كانت واسعة أوي وساكتة أوي. فضلت مستنية صوته المألوف وهو بيتقلب، ومستنية إيده تدور على إيدي في الضلمة، ونفسه المنتظم اللي كنت بنام على صوته.
​بس مكنش في حاجة.
​الصمت كان خانقني .
​في الأول، قلت لنفسي إني بوهم نفسي. يمكن فعلاً محتاج يرتاح، يمكن أنا اللي بقيت حساسة زيادة عن اللزوم. يمكن الحب بياخد شكل تاني بعد سنين من التعب والوجع والسهر يمكن دا حقة لانه تعب مني ومن مسؤليتي .
​بس بعد كدة بدأت أسمع الدوشة.
​في الأول، كان صوت “خربشة” خفيفة جاية من أوضة الضيوف اللي في آخر الطرقة.
​وبعدين خبط..
​وبعدين حاجة معدن وقعت على الأرض.
​اتسمرت في السرير، وعيني متعلقة في الضلمة.
​هو بيعمل إيه هناك؟
​ليلة ورا التانية، الدوشة مكملة.
​خربشة، شد، صوت شاكوش، ودندنة واطية مش قادرة أميزها.
​وكل صوت بيغذي الخوف اللي جوه قلبي.
​هل بيجهز شنطته حتة حتة؟
​هل بيخبي حاجة؟
​هل في واحدة تانية؟
​كنت بكرة نفسي وأنا بفكر كدة. أحمد عمره ما خلاني أشك فيه لحظة. بس الوحدة ممكن تسمم أطيب قلب في الدنيا. ولما الشخص اللي بتحبيه فجأة يقفل عليكي باب من حياته، عقلك بيبدأ ينسج قصص أوجع بكتير من الحقيقة.
​لحد ما في يوم، وهو برة البيت، عديت بالكرسي جنب أوضة الضيوف ووقفت.
​الباب كان مقفول.
​إيدي رعشت وأنا بمدها على المقبض.
​مقفول.
​التكة بتاعة القفل دي وجعت قلبي أكتر من أي دوشة سمعتها بالليل.
​هو مش مجرد نقل ينام في أوضة تانية.
​هو حبسني برة حياته.
​في العشا، مقدرتش أتحمل أكتر من كدة. بصيتله من الناحية التانية من السفرة وسألته السؤال اللي كان بيقطع في قلبي:
​”أحمد… أنت ناوي تسيبني؟”.
#انجي_الخطيب
​شوكته وقفت في نص الطريق لبقه.
​”نعم؟”.
​”أنت هتسيبني؟”.
​عينه وسعت من الصدمة: “يا نادية، إيه السؤال ده؟”.
​قلت وصوتي بيتشرخ: “أوض منفصلة، باب مقفول، ودوشة كل ليلة. أنا مش عايزاك تحس إنك محبوس بسببي”.
​لحظة، بان على وشه الألم.
​وبعدين بص بعيد وقال بهدوء: “أنا قولتلك، عايز أنام لوحدي، نومي مش مريح ومش عايز أضايقك”.
​بس هو نام جنبي ٥ سنين بعد الحادثة.
​إشمعنى دلوقتي بقت مشكلة؟
​في الليلة دي، الدوشة كانت أعلى من أي وقت.
​خربشة.
​خبطة تقيلة.
​وبعدين صوت أحمد المكتوم جاي من ورا الباب.
​قلبي كان بيدق لدرجة إني مش قادرة أخد نفسي.
يا تري بيعمل ابه…
ولية صوت الخبط دا.. بيجهز الاوضة لواحدة تانية وبيعملها ليا مفاجأة وبيحطني قدام الامر الواقع عشان انا مشلولة ومش هاقدر اقولة لا لان دا حقة كفاية استحملني خمس سنبن…
الافكار هتجنني بقيت هتجنن واعرف مخبي عليا ايه…
​سحبت نفسي على الكرسي، متجاهلة وجع جسمي، ومشيت في الطرقة.
​البيت كان ضلمة. وبابه كان موارب..
​المرة دي، الباب مكنش مقفول.
​حطيت إيدي على الأكرة.
​همست: “أحمد؟”.
​مفيش رد.
​زقيت الباب وفتحته.
​واللي شوفته جوه خلاني أغطي بوقي بإيدي وأنفجر في العياط…
انجي_الخطيب
الأوضة كانت غرقانة في ضلمة إلا من كشاف صغير فوق ترابيزة في نص الأوضة، نورها مسلط على حاجة فوق السرير اللي كان مفرود عليه عدّة نجارة، وأجهزة كهربائية صغيرة، وقطع خشب غريبة. أحمد كان قاعد على الأرض، ضهره ليا، ومنكبّ على حاجة بيصلحها بإيدين مرتعشة.
​بصيت كويس.. ده مش جهاز جديد، ولا شنطة سفر، ولا حتى ديكور لواحدة تانية. ده كان “جهاز المشي الميكانيكي” اللي كنت بحلم بيه من سنين، الجهاز اللي كان أملي الوحيد إني أقف تاني، بس كان غالي جداً ومستحيل مادياً نقدر عليه. كان مفككه حتت، بيحاول يركب المواتير بتاعته بنفسه، إيديه كانت متعورة، ووشه كان مليان عرق وتعب.
​حاولت أتحرك بالكرسي، صوت العجل على الأرض خلاه ينتفض ويلف وشه بسرعة. عينيه كانت حمرا ومجهدة، أول ما شافني، وشه اتخطف وبان عليه الرعب، قام وقف بسرعة وحاول يغطي الجهاز بملاية كبيرة، صوته كان متقطع وهو بيحاول يبتسم رغم التعب:
​نادية؟ إنتي إيه اللي جابك هنا يا حبيبتي؟ مش قولتلك إن المكان ده كله رايش وخشَب وهيضايقك؟
​بصيت للجهاز اللي متغطي بالملاية، وبصيت لإيديه اللي كلها جروح من المسامير، ودموعي نزلت من غير صوت، مش عياط حزن، ده كان عياط انكسار قلبي من ظني فيه. همست بصوت مهزوز:
​كنت بتخبي عني إيه يا أحمد؟ وليه كنت قافل الباب؟
​أحمد اتنهد، وقرب مني، مسح دموعي بإيد خشنة من كتر الشغل، وقال بصوت مليان حب ووجع:
​كنت خايف أقولك وتتعلّقي بالأمل، ولو الجهاز ده منفعلش ولا اشتغل بسببي، قلبك يتكسر تاني. بقالي شهور بذاكر ميكانيكا وأنا بصلحه، كنت بقفل الباب عشان لو فشلت متشوفينيش وأنا منهار، وعشان لما يخلص.. كنت عايز أعملك مفاجأة وأخليكي تقفي على رجلك يوم عيد ميلادك الشهر الجاي.
​بصيتله والكلمات واقفة في زوري، أنا اللي اتهمته بالخيانة، وأنا اللي ظنيت إنه زهق مني، وهو كان بيحاول يبيع روحه عشان يرجعني أمشي تاني، بيسرق من نومه عشان يشتريلي معجزة.
​قرب مني أكتر، نزل لمستواي، وحط راسه على حجري وبدأ يعيط لأول مرة شفته فيها من سنين:
​أنا مكنتش محتاج حرية يا نادية، أنا كنت محتاج أقدر أرجعلك كل حاجة خسرتيها، كنت بحاول أداري عجز إيدي إنها ترجعلك خطواتك، كنت بداري وشي منك عشان مكنتش قادر أشوف الوجع في عينيكي وإنتي باصة لرجلك.
​ضميته بإيدي اللي كانت بترتعش، ودفنت وشي في رقبته، ومن غير ولا كلمة، فهمت إن الحب مش بس اللي بيظهر في العلن، الحب الحقيقي هو اللي بيستخبى ورا الأبواب المقفولة، هو اللي بيتعب عشانك في الضلمة عشان لما تفتحي عينيكي الصبح، تلاقي نور جديد في حياتك.

1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى