
كرسي متحرك
البيت كله كان غرقان في صمت مهيب، مفيش غير صوت شهقاتي اللي مكتومة في كتفه، وصوت نفسه العالي اللي كان بيحاول يهديه. فضلت ماسكة فيه كأني بحاول أسترد كل لحظة شك مريت بيها، كل فكرة وحشة لوثت خيالي في الأيام اللي فاتت.
رفع راسه وبص في عيني، نظرة عيونه كانت مكسورة، مش نظرة الراجل اللي “زهق”، لكن نظرة الراجل اللي “شال كتير لوحده”. مسك إيدي وباسها، وبعدين قام وقف، وبحركة واحدة، شد الملاية اللي كان مغطي بيها الجهاز.
الجهاز كان عبارة عن مزيج من معادن مستعملة، مواتير قديمة كان بيجمعها من الخردة، وأسلاك متوصلة ببعض بدقة عجيبة.. كان “ورشة أمل” في نص أوضة الضيوف.
”نادية.. أنا عارف إن شكلي كان غريب، وعارف إني بَعدت، بس قسماً بالله ما كان فيه ست في الدنيا تقدر تاخد مكانك في قلبي، حتى لو كانت أصح مني وأقوى مني. أنا كنت بحارب بيكِ ولعلك، كنت بحاول ألاقي طريق يرجعك للحياة اللي بتستاهليها، حياة بعيد عن الكرسي وبعيد عن مساعَدتي.”
بصيت للجهاز، وبصيت للمسامير اللي في إيديه، حسيت إني كنت عمياء. كنت شايفة “الخيانة” في خيالي، وهو كان بيحفر في الصخر عشان يهديني “المعجزة”.
”أحمد.. أنت مش بس تعبت عشاني، أنت حرقت أعصابك ووجعت جسمك عشان تداري عجزنا سوا. أنا اللي أسفة، أسفة إني سمحت لخيالي يصورك في صورة تانية غير اللي أعرفها.”
ابتسم ابتسامة باهتة، ومسح بإيده على شعري:
”مش عايز أسف، أنا عايزك النهاردة.. النهاردة بس، تجربي تحطي رجلك على المسند ده. أنا جربته ميت مرة، ومحتاج حد يثق فيا زي ما أنا واثق فيكي.”
بصتله، وفي اللحظة دي، ولأول مرة من ٥ سنين، مكنتش حاسة بالشفقة على نفسي. كنت حاسة بقوة غريبة، قوة مصدرها الراجل اللي واقف قدامي ده، اللي رغم كل التعب، مكنش بيبص لي كـ “شلل”، كان بيبص لي كـ “حلم” هو مصمم يحققه.
اتحركت بالكرسي لحد ما وصلت للمسند، وبدأت أرفع رجلي ببطء، وأحمد كان بيسندني، إيديه كانت بتترعش من الخوف، مش من التعب. ولما رجلي لمست الجهاز لأول مرة، حسيت بشعور غريب، كهرباء خفيفة أو يمكن كان مجرد إحساس بأن قلبي لسه بيدق على الحياة.
بصيتله وقلتله بصوت واثق لأول مرة:
”كمله يا أحمد.. كمل الورشة دي، ونكملها سوا.”
بص لي وابتسم، والمرة دي كانت ابتسامة خالية من الوجع، كانت ابتسامة اتنين مفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم، لا حادثة، ولا كرسي، ولا حتى سنين من الوجع.
هل يا ترى الجهاز ده هيكون بداية طريقنا للوقوف على رجلينا تاني؟
……..
أحمد مسك إيدي وباسها بلهفة وكأنه بيعتذر عن كل يوم عدى والباب كان مقفول بيننا، فجأة ملامحه اتغيرت ولقيته بيشاورلي على زرار صغير أحمر في جنب الجهاز، قالي بصوت فيه نبرة ترقب: “دي أهم مرحلة.. التوازن. أنا برمجت الموتور إنه يرفع وزنك تدريجياً، عشان مفاصلك اللي بقالها سنين مش بتتحرك متتعبش. مستعدة؟”
قلبي كان بيدق زي الطبول، الخوف من الوقوع كان بيصارع الأمل في إني أقف، بصيت في عينيه ولقيت فيه إصرار يهد جبال، هزيت راسي بالموافقة، ضغط على الزرار.. سمعت صوت طنين الموتور وهو بيبدأ يشتغل، الجهاز بدأ يترفع ببطء شديد، شعرت بضغط في وسط جسمي، ضغط مكنتش حاسة بيه من سنين.
”نادية.. بلاش تبصي لتحت، بصيلي أنا، ركزي في عيني” قالها وهو بيقرب مني وبيسند ظهري بكتفه القوي، كنت حاسة بكل حركة بيعملها عشان يوازن جسمي، مكنش مجرد جوز بيساعد مراته، كان بيتحرك وكأنه بيقدم صلاة لربنا عشان المعجزة تتم.
وفجأة.. لقيت نفسي واقفة، مش كاملة، بس كنت ساندة على الجهاز، جسمي مفرود لأول مرة من خمس سنين، الهواء كان بيوصل لصدري بشكل مختلف، بصيت لإيدي اللي كانت ماسكة في إيده، لقيتها بتترعش من الفرحة، أحمد كان بيبكي بصمت، دموع الراجل لما بتنزل بتبقى أصدق من أي كلام في الدنيا.
”أنا واقفة يا أحمد.. أنا واقفة” قلتها بصوت مسموع، هز رأسه وهو بيضحك وسط دموعه: “إنتي واقفة يا قلبي، وأنا كنت عارف.. كنت عارف إننا هنعدي منها.”
في اللحظة دي، البيت اللي كان طول سنين الحادثة شاهد على عجزنا، اتحول فجأة لساحة انتصار. مسح دموعه بسرعة، وبدأ يوريني كل تفصيلة عملها في الجهاز، شرحلي إزاي خاف يقولي عشان لو فشل، كنت هفقد الروح اللي فاضلة فيا، وإزاي كان بيقضي ليالي طويلة يقرأ في كتب ميكانيكا وهندسة، وإيديه اللي كانت مليانة حروق من الكاوية اللي بيلحم بيها السلوك، وجروح من المسامير، كانت بالنسبة لي أوسمة شجاعة.
”بكرة.. لما الشمس تطلع، مش هنقفل الباب تاني يا نادية، بكرة هنبدأ نتدرب على الخطوة الأولى.”
سيبت إيدي من على الجهاز، وسندت بضهري عليه، وبصيت لأحمد اللي كان واقف قدامي، بيتنفس بصعوبة من كتر الفرحة والارهاق، حسيت إن السنين اللي راحت مش ضاعت، دي كانت مجرد امتحان لصبرنا، ولعمق الرابط اللي بيجمعنا.
أحمد لف عشان يطفي الكشاف، ولقيته بيقول بهدوء: “عارفة يا نادية؟ الأوضة دي مكنتش أوضة ضيوف، ولا كانت أوضة حرية.. دي كانت أوضة الصبر، وأظن إننا أخيراً خلصنا امتحان الصبر، وبدأنا نعيش.”
طلعت من الأوضة وأنا ساندة عليه، والخطوات اللي كنت بحلم بيها بقت مجرد مسافة وقت، والباب اللي كان مقفول، سيبناه مفتوح على آخره، عشان يدخل منه النور اللي كنا محرومين منه بقالنا سنين.. وبدأنا نجهز لأول خطوة حقيقية بكرة الصبح، خطوة هتمحي أثر الحادثة من حياتنا للأبد.
…….
تاني يوم الصبح، الشمس دخلت من شباك أوضة الضيوف وضربت في وشي، فتحت عيني ولقيت أحمد نايم على الكرسي الخشب الصغير اللي كان بيقعد عليه طول الليل، كان ماسك مفك في إيده وميل بجسمه وهو نايم.. ملامحه كانت مرهقة، بس كان فيه سلام غريب على وشه، سلام بتاع حد خلص مهمة مستحيلة.
حاولت أتحرك من على السرير، وجسمي لسه مش متعود، بس كان فيه “طاقة” جديدة جوه عضمي. أحمد حس بحركتي، فاق مخضوض، أول ما عينيه جت في عيني ابتسم ابتسامة رقيقة ووقف بسرعة:
”صباح الخير يا بطلة.. نمتي كويس؟”





