
حكايات زهره الربيع 4
وقال بنبرة خالية من أي مشاعر: “دي أمانتك.. عقود الشركة الوهمية اللي إمضاكِ عليها، وشيكات على بياض ببصمتك.. الشبكة قررت تقفل الملف ده خالص. شريف وطليقته اتجابوا من دبي من تلت ساعات، وحالياً بيتحقق معاهم في مكان ملوش عنوان.. والدور عليكي، بس إحنا مبنوسخش إيدينا بدم حريم وعيال صغيرة”.
بصيت له برعب وقولت: “أمال.. أمال عايز مني إيه؟”.
طلع من جيبه التاني علبة دواء صغيرة، وحطها جمب الظرف وقال: “العلبة دي فيها حبوب.. هتاخدي منها شريط، وتدوبي حباية واحدة في بق الواد ده.. الصبح الجيران هيلاقوكم ميتين من الغاز أو سكتة قلبية بسبب الحزن على طلاقك.. وبكده السر يموت معاكم، ومحدش هيدور ورا واحدة مطرودة ومفلسة انتحرت هي وابنها”.
النار قادت في دمي.. يبيدوني أنا وابني؟ يقتلوا الحتة اللحم دي عشان يداروا على وساختهم ووساخة شريف؟! بصيت للعلبة، وبصيت لوشه البارد، وقولتله بصوت هادي وعينيا بتلمع بدموع القهر: “ماشي.. بس خليني أبوس ابني لآخر مرة”.
الراجل هز راسه بملل وبص الناحية التانية كأنه مستعجل.. وفي جزء من الثانية، وبكل قوة وحقد وندم تراكموا في قلبي على مدار تلت سنين، رفعت إيدي بالمقص الحديد وغرسته بكل عزمي في رقبته!
الراجل برّق عينيه بذهول، مكنش متوقع إن واحدة مكسورة ومطلقة تعمل كده.. طلع صوت حشرجة من زوره، وحاول يمد إيده عشان يخنقني، بس أنا زقيته بكل قوتي.. وقع على الأرض وهو بينازع والدم بيسيل منه بغزارة في ضلمة الصالة.
مستنتش ثانية واحدة.. صرخت في أمي: “أمييي! هاتي الشنطة واجري!”. أمي خرجت بتترعش، أخدت الشنطة، وفتحنا الباب وجرينا على السلم زي المجانين، بنعدي من فوق البواب اللي كان مغمي عليه في المدخل زي ما الراجل قال.
خرجنا للشارع والوقت كان متأخر، فضلت أجري وأجري وأنا شايسة ابني على كتفي لحد ما وصلنا للموقف.. ركبنا أول عربية ميكروباص متجهة للصعيد.. لـ “أسيوط”.. مسقط رأسي، المكان اللي كان لازم مسبهوش من الأول.
عدت سنة كاملة على الليلة دي.. سنة كاملة وإحنا عايشين في بيت طين صغير في أطراف قرية معزولة في أسيوط، بأسماء مزيفة، وشكل متغير.. قصيت شعري، وبقيت بشتغل في البيوت والأراضي عشان أأكل أمي وأجيب علاج ابني.
شريف الكبير وطليقته؟ عرفت من الأخبار بعد شهور إنهم اتمسكوا في قض*ية تهريب كبرى وتزوير جنائي، وأخدوا أحكام بالسجن المؤبد، وكل ثروتهم وفلوسهم بره وجوه اتصادرت.. البيوت اللي اتبنت على الظلم، اتهدت فوق دماغ أصحابها في الآخر، وشريف اللي باعني وباع ابنه، بقوا الحيطان الأربعة هما كل دنيته.





