قصص قصيرة

انا اللي ربيت اخويا الصغير

حياة والدك المهنية  وضياع مستقبلك أنت كشاب في بداية حياتك العملية حين تكتشف أن هويتك كلها مزورة. طلب مدحت مبالغ مالية ضخمة جداً تعجز قدراتنا عن سدادها، وكان يضغط علينا يوماً بعد يوم، وفي الليلة التي سافرنا فيها لحضور حفل الزفاف، كان في الحقيقة موعداً سرياً حدده مدحت معنا على الطريق الصحراوي ليستلم منا الدفعة الأولى من أموال الابتزاز التي قمنا ببيع مجوهراتي كلها وبعض مدخراتنا لتوفيرها. كنت أشعر بغدر هذا الرجل، وكنت خائڤة من أن يحدث لنا مكروه في الطريق، لذلك وضعت العلبة وبها أوراقك الحقيقية والرسالة في حقيبة إياد لحمايتها وحمايتك. وإذا كنا قد متنا في ذلك ، فأنا أشك بوعي شديد أن صلة بمدحت لنا على الطريق لسړقة الأموال، لكنني

لم أملك الدليل وقتها.

الرسالة من يدي على الأرض، وشعرت بأن الجدران تضيق من حولي، وأن السنين الثمانية والعشرين التي عشتها كانت مبنية على وهم كبير، لكن وسط هذا النفسي الشامل، نظرت إلى إياد، فرأيته يبكي ويمد يده ليمسك بيدي بقوة، ويقول بصوت  مروان.. أنت أخويا.. أنت اللي ربتني وعلمتني وصرفت عليا من ولحمك وسنين شبابك، أمي كتبت الرسالة دي وهي خاېفة إنك لما تعرف الحقيقة تتخلى عني أو تحس إنك مش مننا، بس أنا طول السنين اللي فاتت كنت بشوف فيك الأب والأم والأخ اللي ماليش غيرهم في الدنيا.. الحبر اللي على الورق ده ما يغيرش حقيقة إنك أخويا الكبير وبطلي الوحيد. كلماته كانت كبلسم شافٍ وضع على ، فاندفعت نحوه بقوة وبكينا معاً بكاءً مريراً

طويلاً، غسل كل الشكوك التي يمكن أن تفرّق بين قلبين ربطت بينهما المحبة والكفاح قبل الرحم. بعد أن هدأت عاصفة الدموع، مسحت وجهي ونظرت إلى الأوراق مجدداً، وشعرت بشرارة من الڠضب والعدالة في عروقي؛ فإذا كان هذا الرجل المدعو مدحت هو السبب في ابتزاز والديّ والسبب المحتمل وراء الذي عائلتنا، فإن أمي وأبي  أخي طوال ثماني سنوات لن تذهب هدرًا، وحان الوقت لأكشف الحقيقة الكاملة وأستعيد حق عائلتي التي ربتني وأعطتني كل شيء.

قررت ألا أقف مكتوف الأيدي، واستعنت بكل ما أملك من ذكاء وقدرات تقنية، وبدأت بالتعاون مع إياد الذي أصبح يملك وعي رجل ناضج، في البحث والتقصي عن المدعو مدحت. من خلال البحث في السجلات القديمة ومحاضر الشرطة الخاصة ، وجدنا تفاصيل غريبة تم التغاضي عنها وقتها بحكم أنها طريق عادية؛ حيث أفاد شهود عيان بوجود سيارة سوداء كانت تطارد سيارة والدي بسرعة قبل بالشاحنة بلحظات، لكن السيارة السوداء فرت من المكان ولم يتم التعرف على لوحاتها. تتبعنا خيوط مدحت وعلمنا أنه ما زال حياً، ويعيش في شقة فاخرة اشتراها فجأة بعد بأشهر قليلة، ويدير شبكة صغيرة لأعمال العقاري والتزوير.

7

انا اللي ربيت اخويا الصغير

لم تمر سوى أسابيع قليلة من التحقيقات المكثفة والسرية، حتى حاصرت قوات الشرطة منزل مدحت وألقت القبض عليه متلبساً بأوراق تزوير جديدة في قضية أخرى، وخلال استجوابه ومواجهته بالأدلة والملفات وبقايا الحسابات البنكية القديمة وشهادة إياد ، واعترف تفصيلياً بأنه هو من طارد سيارة والدي في تلك الليلة وافتعل ليمحو أثر ابتزازه و حقيبة الأموال التي كانت بحوزتهما بعد . صدر الحكم العادل والقصاص الإلهي مدحت مدى الحياة مع الأشغال الشاقة، لتستريح أخيراً أرواح والديّ في بعد سنوات من المظلمة الصامتة. وفي اليوم الذي صدر فيه الحكم، وقفت أنا وإياد أمام أمي وأبي، ممسكين بأيدي بعضنا البعض، ونظرنا إلى السماء بابتسامة رضا وسلام؛

فقد أثبتت الأيام أن العائلة لا تحددها أوراق الميلاد المزورة أو الجينات البيولوجية، بل تصنعها ، والمواقف، والقلوب الصادقة التي تعاهدت على ألا تترك بعضها البعض مهما بلغت شدة العواصف. أغلقت علبة المجوهرات القديمة، ولم تعد تحتوي على سر مخيف، بل أصبحت رمزاً لأعظم قصة حب بريئة وغير مشروطة، قصة الأخ الكبير الذي حمى أخاه، والأخ الصغير الذي حفظ الأمانة حتى كبر، لنبدأ معاً صفحة جديدة ونقية من حياتنا، وعلاقتنا أقوى وأمتن من أي وقت مضى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى