
اخويا عنده متلازمة داون
قال لي كلام نزل عليا زي الصاعقة، جمد الدم في عروقي وشل تفكيري في ثانية
الريحة مش في السجاد يا نعيم… الريحة طالعة من قرشك! الفلوس اللي بتجيب بيها الأكل الشبعان ده… ريحتها عفشة أوي يا أخويا، خنقاني ومش قادر أتنفسها! نظف قرشك يا نعيم… نظف بيتك!
الشارع كله اختفى من قدام عيني. دوشة الميكروباصات، وصوت البياعين، والناس اللي ماشية تزق في بعضها… كل ده اتكتم مرة واحدة وكأني اتزرعت في مشهد من فيلم صامت. إيدي اللي كانت ماسكة إيد نصر اترخت وسقطت جنب مني زي الميتة. بصيت في عينيه… العينين الصافية البريئة اللي عمري ما شفت فيها خبث ولا لؤم، كانت بتطالعني بنظرة شفقة ورحمة موجعة، نظرة كأنها بتقول لي أنا شايف اللي أنت مخبيه عن العالم كله.
أمي بصت لي باستغراب شديد وهي بتطبطب على كتف نصر وقالت فيه إيه يا نعيم؟ مالك اتسمرت مكانك كده ليه يا بني؟ نصر قال لك إيه خلّاك اتخضيت وشك جاب ألوان كده؟
ما قدرتش أنطق. لساني اتعقد في بقي، وريقي نشف تماماً. نصر مسك إيد أمي وشدها بالراحة وهو بيبتص لي بابتسامة حزينة وقال لها يلا يا أمه… نمشي خلاص، نعيم فهم.
رجعت الشقة بجر رجلي بالعافية، كأني شايل جبل على كتفي. فتحت الباب ودخلت، لقيت مراتي سمر واقفة في الصالة بتلم الأكل
والدموع في عينيها. بصت لي بخوف ورعب لما شافت وشي أصفر زي الليمونة المعتوقة، وقالت بصوت متقطع
مالك يا نعيم؟ وشك أصفر ومخضوض ليه كده؟ حقك عليا يا ابن الناس، أنا مش زعلانة من نصر والله، ده أخوك البركة ورزقنا في الدنيا، بس أنا اتكسفت عشان الأكل اللي تعبت فيه…
قلت لها بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من المقابر شيلي الأكل ده يا سمر… شيلي الأكل كله وما تاكليش منه أنتِ ولا العيال… ارميه في الزبالة.
سمر اتصدمت وبصت لي بذهول ترميه؟! ارمي صينية البطاطس واللحمة اللي مكلفة الشي الفلاني؟ ليه يا نعيم؟ الأكل ماله؟ فيه حاجة بايظة وأنا مش واخدة بالي؟
ما ردتش عليها. سيبتها واقفه مذهولة ودخلت الأوضة وقفت الباب بالمفتاح عليا.
قعدت على طرف السرير، وحطيت رأسي بين إيديا. ذكريات السنتين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدام عيني زي الشريط السريع في سينما مهجورة.
أنا بشتغل محاسب في شركة مقاولات واستيراد كبيرة. طوال عمري شغال بلقمتي الحلال، أطلع من بيتي الصبح أرجع بالليل مش شايل غير القرش الطيب اللي طالع بفقر وعرق. بس من سنتين، مدير الحسابات القديم أخد مكافأة نهاية الخدمة ومشي، والشركة جابت مدير جديد… راجل أملس، كلامه معسول وعينيه بترمُش بسرعة كأنه بتدبّر لمصيبة. الراجل ده مسكني
ملفات المشتريات، وفواتير الموردين، وعمولات المقاولين.
في الأول، كانت بتتعرض عليا هدايا بسيطة. مقاول ييجي يقول لي يا أستاذ نعيم، مشي لي الفاتورة دي بسرعة، والنسبة دي مظبوطة بس مشيها وأناظبطك.
أرفض وأخاف وأقول لا يا فندم، أنا بربّي عيالي بالحلال.
يقوم يضحك ويقول لي حلال إيه يا أستاذ؟ دي مش سرقة ولا اختلاس! دي عمولة وإكرامية من جيبنا إحنا، والشركة كدة كدة كسبانة ملايين ومحدش مضرور! أنت أولى بالقرشين دول عشان تستر نفسك وتعيش عيالك بدل المرمطة اللي أنت فيها.
شوية بشوية… الشيطان لقي الباب الموارب فزقه بأيديه الاتنين. النفس أَمّارة بالسوء، والاحتياجات كترت، والعيال كبرت ومتطلباتهم زادت. قلبي بدأ يقسى، والخوف اللي كان بيرعشني بقى يقل يوم عن يوم. الظرف البسيط اللي كان فيه أربعمية ولا خمسمية جنيه، بقى محفظة فيها آلاف. والمبالغ كبرت… بقيت أغمض عيني عن خامات مستواها رديء، وأعدي فواتير فيها مبالغ متضخمة، وأخد نسيبي من العمولة.
بدأت أدخل القرش الحرام وسط قرشي الحلال. اشتريت العفش الجديد، ودمست الشقة بالدهانات الغالية، وغيرت السجاد، وبقيت أشتري معطرات وبخور بالشيء الفلاني… كنت فاكر إني بنضف بيتي وبخليه فل، وأنا في الحقيقة كنت بغرقه في عفانة السحت!
البخور
الغالي اللي كنت بولعه علشان يداري، والديتول والكلور اللي مراتي كانت بتمسح بيهم الشقة كل يوم… كل ده ما كانش قادر يغطي على ريحة الحرام اللي طالعة من اللقمة اللي بدخلها في بطن ولادي!
نصر… أخويا اللي الناس منطقتنا بيتحسروا عليه ويقولوا مريض داون… طلع أذكانا وأصفانا كلنا. قلبه الفطري النظيف اللي ما اتلوثش بالطمع والدنيا، كان بيشم اللي العقول المريضة مش قادرة تحسه. كان بيشم نجاسة الحرام اللي ملغمة في حيطان البيوت وعلى الترابيزات!
ليلة المواجهة مع النفس
قعدت على الأرض وبكيت. بكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي، بكا راجل حس إنه ضاع وخسر دينه ودنياه في لحظة. كنت بنتحب وصوتي مكتوم عشان العيال ما يسمعوش.
الباب اتخبط بشويش، وصوت سمر مراتي جاني من وراه نعيم… افتح يا نعيم الله يخليك، أنت تقلت قلبي، فيه إيه؟
قمتفتحت الباب. أول ما شافت وشي والدموع مغرقة دقني، شهقت وحطت إيدها على بقها يا لهوي يا نعيم! مالك يا ابن الناس؟ حد من أهلك جرى له حاجة؟ أمك كويسة؟
مسكتها من إيدها وقعدتها على السرير جنبي. بصيت في عينيها قلت لها سمر… الأكل اللي على الترابيزة ده… والشاشات اللي على الحيطان… والسجاد اللي تحت رجلينا… كل ده حرام يا سمر.
سمر اتسمرت مكانها، عينيها اتوسعت





