
ام نور من حكايات زهرة الربيع حصري
الحسم
علشان كده أنا قطعت الطريق من أوله.. اللي هيتجوز بنتي لازم يكون متجوز أصلًا، وعنده أولاده ومكتفي، أو يتجوز واحدة تخلف له الأول وبعدين ييجي لنور.. يبقى عارف إنه داخل على ست مش هتخلف، وميكونش عندها هي الحجة إنه يتجوز عليها بعدها عشان الخلفية ويكسرها! يبقى الجوازة من أولها واضحة، وهو جاي لها وهو شبعان خلفة مش هييجي يوم ويقولها أنا عايز عيل فتنكسر.. ده شرطي اللي مش هتراجع عنه لحد ما أموت، عشان أحمي قلب بنتي من كسرة الستات!
الكلام نزل عليا كأنه صاعقة. اتجمّدت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير. بصيت على باب المطبخ، ولقيت نور واقفة ورا الستارة، دموعها نازلة على خدودها في صمت رهيب.. عينيها جات في عيني، وكان فيها كمية رجاء وۏجع وانكسار تقطم الضهر.. كانت بتترجاني بعينيها أفهم، وتعتذر لي عن السر المكتوم اللي شايلينه طول السنين دي.
حسيت إن الهوا اتسحب من الروم.. رجليا تقلت ومبقتش شايلاني. بصيت للأم بصة عجز وتوهة، وقمت بالراحة من غير ما أنطق ولا حرف.. مشيت خطوتين بالعافية للباب، فتحته وخرجت، وطلعت السلم لشقتي وأنا حاسس إن العالم كله اتقلب فوق رأسي.
قعدت في شقتي في الضلمة للصبح.. الفكرة كانت بتاكل في دماغي. أنا بحب نور.. والله العظيم حبيتها بجد! جمالها وأدبها ورقتها، وكل حاجة فيها كانت بتشدني.. بس كلام أمها كان زي السکينة.
أنا شاب في بداية حياتي، مهندس لي مستقبلي، وأنا الابن الوحيد لأهلي.. أهلي اللي بيحلموا باليوم اللي يشوفوا فيه عيالي، ويتمنوا يشيلوا أولاد ابنهم. هل أقدر أضحي بأملي في إنه يكون ليا عيل من صلبي يادي اسمي ويعيش معايا؟ هل أقدر أواجه أهلي وأقولهم إني هتجوز بنت مش بتخلف وعارف من الأول؟
ولا الحل إني أروح أتجوز واحدة تانية الأول عشان أرضي شرط أمها وأرجع أتجوز نور؟! طب وإيه ذنب البنت الأولى اللي هاتجوزها مجرد وسيلة عشان أفوز بنور؟ أظلمها معايا ليه وهي مالهاش ذنب؟ وأعيش في دوشة البيتين والمشاكل والعدل اللي يهد الجبال؟
الأفكار كانت بتطحن في عقلي طحن.. عدي أسبوع وأنا مابنامش. بشوف نور على السلم، النظرة بيننا بقت كلها ألم وتلميح بالوداع.. هي عارفة إن حلمنا انتهى قبل ما يبدأ، وأنا شايف في عينيها قلة الحيلة والرضا بقضاء الله.
في الآخر، حسمت أمري.. الحقيقة كانت مارة وقاسېة، بس كبرت عقلي وقدرت الواقع. أنا مش هقدر أظلم نفسي، ولا أظلم أهلي معايا، ولا أظلم بنت ناس تانية أتجوزها كوبري عشان أوصل لنور.. وفي نفس الوقت، مش هقدر أوعد نور بحاجة وأرجع أكسرها بعد سنين لما حلم الأطفال يلح عليا.
لمېت هدومي، وطلبت من الشركة نقل رجوع لفرع المحافظة بتاعتي جنب أهلي.. سلمت الشقة للمالك، وفي أخر يوم ليا، نزلت خبطت
على شقتهم.
فتحتلي أمها، بصيت لها بحزن وقالتلي فهمت يا بني؟
هزيت رأسي وقلت لها بصوت مخڼوق فهمت يا طنط.. وربنا يجبر خاطرها ويعوضها باللي أحسن مني واللي يقدر ظروفها.
نور كانت واقفة بعيد.. بصيت لها أخر بصة، ابتسمت لي ابتسامة باهتة مليانة دموع وراحت هازة رأسها كأنها بتقولي مش زعلانه
نزلت العمارة وركبت عربيتي وسافرت بلدي.. مرت الأيام والسنين، اتجوزت بنت حلال اختاروها أهلي، وربنا رزقني بولد وبنت مالين عليا الدنيا.. بس والله، لحد النهاردة، كل ما بقعد مع نفسي، أو لما أشوف بنت شبه نور، بيمسكني حزن دفين في قلبي.. بفتكر عيونها النقية وضحكتها الخجولة، وبترحم على حلم جميل ماټ في أوله.. وبدعي ربنا من كل قلبي إن ربنا يرزقها بإنسان يشتريها بجد، يكتفي بيها عن الدنيا كلها، وما يشوفش فيها غير النعمة والعوض.





