
حفيدتي
في اللحظة دي، الموظفة الشابة اللي كانت دايماً بتستقبل الحاج محمود خرجت من مكتب المدير، ومعاها مدير الفرع شخصياً. الصالة كلها سكتت.
الدكتور يبدو إنه حس بالحرج، حاول يقرب من الحاج محمود ويسأله بالهداوة:
— يا حاج محمود.. حضرتك عارف إنت فين النهاردة؟ وعارف مين دول؟
الحاج محمود بص للدكتور بظهره المشدود، وعينيه الثابتة. مسك دفتر التوفير، وبص لإلهام ورامي وقال بنبرة صوت مسموعة لكل اللي في البنك:
— أنا محمود المتولي.. أستاذ التاريخ اللي خرج أجيال. عارف إني في البنك، وعارف إن اللي واقفة هناك دي بنت أخويا اللي ما افتكرتنيش غير لما البيت بقى يسوى ملايين. وعارف إن اللي جنبها ده ابنها اللي ما يعرفش حتى لون عينيا إيه. وعارف كمان إن البنت اللي واقفة جمبي دي هي اللي رجعتلي طعم الحياة في ٥ دقايق أنتوا سرقتوه مني في سنين.
إلهام وشها جاب ألوان:
— ده كلام ملهوش قيمة! هو غير متزن نفسياً وممكن يكتب أمتلاكه لأي حد!
مدير الفرع اتكلم بصوت صارم:
— يا فندم، الحاج محمود عميل عمارتنا من ٣٠ سنة. هو بيجي كل خميس، بيسحب معاشه بنفسه، وبيراجع حسابه بالقرش، والتقرير الطبي السنوي بتاعه متقدم للبنك لإن إحنا اللي بنطلب تحديث بيانات كبار السن. الحاج محمود بكامل قواه العقلية، ولو حضرتك ما طلعتيش برة حالا، أنا هطلب شرطة النجدة بمحضر إزعاج ومحاولة ابتزاز عميل داخل الحرم المصرفي.
رامي بص لأمه بتوتر:
— يلا يا أمي نمشي.. الموضوع كبر.
إلهام كانت بتبص لعمر وللحاج محمود بغل:
— بكرة نتقابل في المحاكم!
عمر رد عليها بكل برود:
— أعلى ما في خيلكم اركبوه.. وأي خطوة ناحية جدو تاني، ملفات الشركات والضرائب بتاعتكم كلها هتبقى قدام النيابة بكرة الصبح.
خرجا إلهام ورامي يجروا أذيال الخيبة، والدكتور انسحب من سكات وهو بيعتذر لمدير الفرع.
الصالة كلها اتنفست الصعداء، وفي كذا حد في الطابور صفق للحاج محمود.
لما خرجوا على رصيف البنك، الشمس كانت دافية. عمر قرب من جده، ونزل على ركبته قدامه على Banquette الشارع، وبص في عينيه وقال والدموع في عينيه:
— أنا قريت الجواب يا جدو.. قريته البارح لما نور بعتتلي صورته.
الحاج محمود طبطب على كتف عمر بإيديه الترعش:
— سامحتك يا ابني.. بس أوعى تيجوا متأخر تاني.
عمر مسك إيد جده وباسها:
— مش هاجي متأخر تاني أبداً.. البيت مش هيتباع، وأنا هنقل شغلي كله من البيت عندك عشان نفضل سوا.
بص الحاج محمود لنور، وبابتسامة حنونة زي إشراقة الصبح قالها:
— ها يا نور.. الـ ٥ دقايق خلصوا ولا لسه؟
نور ابتسمت، والدموع مغرقة عينيها، ومسكت إيده التانية وقالتله:





