قصص قصيرة

بعد 22 سنة

كان هيخرج من مكانه.
قلت
مين إنتِ؟!
جاء الرد من الخارج
أنا اللي كان لازم أحميكي من البداية!
شريف شدني بعيد عن الباب.
ما تفتحيش!
صرخت
كل واحد بيقول لي ما أفتحش! أنا هفتح بنفسي!
لكن قبل ما أتحرك، اشتغلت لمبة صغيرة فوق الصندوق.
والد شريف كان واقفًا مكانه.
قال
ما تسمعيش للصوت ده.
بصيت له.
ليه؟
لأن اللي بره عايزك تفتحي الباب.
قلت
وإنت عايز إيه؟
سكت.
ثم قال
عايزك تكملي قراءة الملف.
رجعت للصندوق.
أخرجت الورقة اللي فيها الاسم الغريب.
قرأته مرة تانية.
شريف كان واقف بعيد، وملامحه اتغيرت تمامًا.
قلت
إنت تعرف العيلة دي؟
قال
أيوه.
مين هما؟
عيلة والدتي.
اتصدمت.
والدتك؟!
هز رأسه.
الاسم ده اسم عيلة أمي قبل الجواز.
نظرت إلى الورقة.
ثم إليه.
يعني كل اللي حصل له علاقة بعيلتك؟
قال
مش كلها.
ثم سكت.
لكن جزء كبير.
والد شريف تدخل
عشان كده كنت بحاول أبعدك عن الحقيقة.
قلت بغضب
الحقيقة مش هتقتلني. الكذب هو اللي قتل كل حاجة بينا!
وفجأة سمعت صوت ارتطام قوي بالباب.
ثم صوت المرأة مرة أخرى
سارة! افتحي بسرعة!
قربت من الباب.
لكن قبل ما ألمس المقبض، والد شريف قال
لو فتحتي الباب، مش هتقدري ترجعي.
قلت
وأنا أصلًا مش عايزة أرجع.
فتحت الباب.
دخلت المرأة بسرعة.
وأول ما شفتها، شهقت.
كانت أمي.
لكنها كانت ترتجف، وملابسها مغطاة بالتراب.
صرخت
ماما؟!
جريت عليها.
حضنتني بقوة.
وقالت
الحمد لله إنك لسه بخير.
بصيت في عينيها.
إنتِ كنتِ عارفة إني هاجي هنا؟
هزت رأسها.
أيوه.
مين بعت لي الرسالة؟
سكتت.
ماما!
قالت
أنا.
اتصدمت.
إنتِ؟!
أيوه.
ليه جبتيني هنا؟
نظرت للصندوق.
لأن الوقت انتهى.
سألت
وقت إيه؟
أمي قالت
الوقت اللي كان لازم تفتحي فيه الصندوق بنفسك.
ثم نظرت لوالد شريف.
وإنت كمان لازم تقول لها.
هو لم يرد.
أمي قالت
سارة لازم تعرف مين قتل أبوها.
تجمدت.
أبويا اتقتل؟
هزت رأسها.
أيوه.
ومين قتله؟
أمي نظرت إلى والد شريف.
ثم إلى شريف.
وقالت
الشخص اللي قتل أبوكي ما كانش عايز يقتله.
استغربت.
يعني إيه؟
كان عايز يخليه يختفي بس.
مين؟
أمي أخذت نفسًا عميقًا.
الشخص ده…
وأشارت إلى الصندوق.
هو اللي عنده الإجابة.
فتحت الصندوق مرة أخرى.
في القاع، كان فيه شريط تسجيل صغير جدًا.
شغلناه.
جاء صوت أبي.
لكن هذه المرة كان صوته مرتعشًا.
لو سارة سمعت التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أهرب.
سكت قليلًا.
ثم قال
عايزك تعرفي إن الشخص اللي هتفتكري إنه عدوي…
توقف.
هو في الحقيقة الشخص اللي أنقذ حياتي.
بصيت لوالد شريف.
أبي أكمل
لكن الشخص اللي وثقت فيه أكثر من اللازم…
ثم قال اسمًا.
الاسم جعل أمي تسقط على الكرسي.
وشريف يضع يده على فمه.
أما أنا…
فلم أستطع حتى التنفس.
لأن الاسم الذي نطقه أبي كان اسم أقرب شخص ليا في العيلة.
اسم لم يخطر ببالي ولو مرة.
رفعت عيني لأمي.
إنتِ كنتِ عارفة؟
أمي هزت رأسها وهي تبكي.
أيوه.
قلت
وليه ما قلتيليش؟
قالت
لأن لو عرفتيه قبل النهارده…
سكتت.
كان هيقتلك.
وفجأة، سمعنا صوت سيارة تقترب من المخزن.
ثم صوت رجل ينادي
سارة!
تجمدت أمي.
وقالت
هو وصل.
ثم نظرت لي وقالت
لكن قبل ما يوصلك، لازم تعرفي حاجة أخطر…
وأخرجت من جيبها صورة قديمة.
الصورة كانت لي وأنا طفلة.
وبجواري طفل صغير.
قالت
الولد اللي في الصورة ده…
سكتت.
كان المفروض يكون أخوك.
نظرت للصورة.
ثم سألت
فين هو؟
أمي لم تجب.
لأن صوت الرجل من الخارج جاء مرة أخرى
سارة… افتحي الباب.
وأمي همست
هو عايش النهاية
وقفت قدام أمي وأنا مش قادرة أستوعب.
أخويا عايش؟! فين؟
أمي بصت ناحية الباب وقالت
هو الشخص اللي كان بيحاول يوصل لك من أول يوم.
فجأة دخل رجل بهدوء.
كان شابًا في أواخر الثلاثينات.
وأول ما شوفته، حسيت بحاجة غريبة جدًا…
نفس عيني.
نفس ابتسامتي.
نفس الشامة الصغيرة فوق الحاجب.
قال
أنا أخوكي يا سارة.
انهرت في البكاء.
بعدها اتجمعت كل القطع.
الطفل اللي اتبدلت أوراقه يوم ولادتي لم يكن طفلًا آخر.
كان أخي.
والدنا عادل أخفانا عن بعضنا بعدما اكتشف أن عائلتنا تتعرض للابتزاز بسبب مستندات وممتلكات قديمة.
محمود رباني وحماني، بينما أمي اختفت لحمايتي، وشريف ظل بجانبي لأن والده كان قد وعد أبي ألا يتركني وحدي.
أما سامح، فاعترف بكل شيء.
كان قد سلم بعض المعلومات لأشخاص طمعًا في المال، لكنه تراجع عندما أدرك أنهم يريدون الوصول إليّ.
والشخص الذي ظل يحرك الخيوط من بعيد كان رجلًا من العائلة، استغل خوف الجميع وحاول السيطرة على الممتلكات.
لكن الصندوق الذي تركه أبي كان يحتوي على المستندات الأصلية والتسجيلات التي كشفت كل شيء.
بعدها انتهت القضية.
رجعت حقوقي وحقوق أخي، وظهر أن الأوراق التي كان شريف يريد مني توقيعها لم تكن للتخلي عن أملاكي كما ظننت في البداية، بل كانت إجراءات لحمايتها من الاستيلاء عليها.
أما شريف…
فوقفت أمامه بعد كل ما حدث.
قلت
ليه ما قلتليش الحقيقة من البداية؟
رد
كنت خايف أخسرك.
قلت
بس كدبك وجعني أكتر من الحقيقة.
نزل عينيه.
عارف.
مرت شهور.
بدأت أعيش من جديد، لكن المرة دي من غير أسرار.
علاقتي بشريف اتغيرت، لأن الثقة اللي اتكسرت ما رجعتش في يوم وليلة.
لكني قررت ما أخليش 22 سنة من الزواج تتحول كلها إلى كذبة.
أما أمي، فبدأت تعوضني عن السنوات اللي ضاعت.
وأخي أصبح أقرب شخص لي.
وفي يوم، رجعت لقبر محمود.
وقفت قدامه وقلت
سامحتك يا أبي.
ثم ابتسمت وأنا بفتكر كل اللي حصل.
كنت فاكرة إنني في يوم السفر اكتشفت أن زوجي يخدعني.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكثير.
أنا لم أكن أهرب من خيانة…
كنت أهرب من 22 سنة من الأسرار.
وفي النهاية اكتشفت أن أكبر مفاجأة في حياتي لم تكن أنني فقدت عائلتي…
بل أنني، بعد كل تلك السنوات، وجدتها من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى