قصص قصيرة

عشرون جراحا

كانت الرائحة في الغرفة تتغير ببطء. رائحة اللوز المحروق والصبغة الكيميائية التي بدأت تتلاشى مع نزيف الدم الفاسد وخروج تلك الألياف السوداء السامة، حلّت محلها رائحة المعقمات والدم الطازج. لكن الهواء نفسه ظل ثقيلاً، مشحوناً برعب لم يسبق للقصر أن شهد مثله.
حسن—الرجل الذي يرتعد من اسمه كبار رجال الأعمال والمهربين في مصر—كان يربض على سريره الفاخر كالأسد الجريح. عيناه اللتان كانتا منذ دقائق غائمتين بالحمي والاحتضار، أصبحتا الآن كجمرتين يشتعلان بذكاء حاد وبطش مكتوم.
قبضته على معصمي كانت قوية رغم ضعفه الجسدي. أطراف أصابعه الباردة كانت تضغط على نبضي، كأنه يستمد من ثباتي اليقين الذي يفتقده في كل من حوله.
قال حسن بصوته المبحوح وهو ينظر للجميع:
— “لوجينا… اقفل أبواب القصر. الكاميرات، الشاشات، والبوابات الإلكترونية. محدش يخرج، ومحدش يدخل. واللي يرفع موبايله أو يفكر يلمس خط تليفون… يتدفن مكان ما هو واقف.”
لوجينا، الذراع الأيمن لحسن، تحرك بسرعة خاطفة. أخرج أجهزة التشويش الإلكترونية من جيبه وربطها بنظام القصر، وأشار للحراس المسلحين الواقفين عند الباب. خيم الصمت الإلكتروني، وأصبحت القلعة المنيعة في التجمع الخامس معزولة تماماً عن العالم الخارجي.
التفت حسن إليّ، وإلى يدي المغطاة بدمائه وجراحه، ثم أشار بعينيه نحو الحوض المعدني الذي تقبع فيه القطع الست السوداء:
— “اسمك إيه يا بت؟”
بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج ثابتاً رغم ارتعاش جسدي:
— “وفاء يا حسن بيه… وفاء.”
نقل نظره من وجهي إلى الدكتور عامر، الذي كان يقف في زاوية الغرفة يرتعد، ووجهه أصفر كالملاءة التي يغطي بها الج/ثث.
قال حسن لنيرانه المكتومة:
— “وفاء… الخيوط دي… تقدر تقوليلي جت منين؟ إيه الخيط ده بالظبط؟”
سحبتُ نفساً عميقاً، وجثوت على ركبتي بالقرب من الحوض المعدني دون أن أرفع عيني عن الخيوط. مسكت إحدى القطع بأصبعي النظيفين، وقربتها من الضوء القوي لمصباح العمليات المتنقل.
قلت بوضوح وصراحة:
— “ده مش خيط جراحي طبي يا حسن بيه. ده ألياف كفلار معالجة بالبوليمر العالي الكثافة (Kevlar Polymer Mesh)، ومطلي بمادة ‘الأسيتونيتريل’ الكيميائية المسرعة لتآكل الأنسجة الحية… الخيط ده ما بيباعش في صيدليات، ولا حتى في مستشفيات القوات المسلحة. الخيط ده بيستخدم خصيصاً في تصنيع بطانات السترات الواقية من الرصاص وفي الخياطة الصناعية للمهمات العسكرية الثقيلة!”
التفت الجميع إليّ بذهول.
الدكتور عامر صرخ بذهول وهو يرجع خطوة لورا:
— “أنتِ كدابة! أنتِ مجرد خدامة بتمسحي البلاط! أنتِ مين وزقك مين عشان تقولي المصطلحات دي?!”
بصيت لعامر ببرود، وقلت بثبات:
— “أمي عاشت 40 سنة بتشتغل فنية جودة وخامة في أكبر مصنع للمهمات العسكرية والنسيج الصناعي في المحلة. وقبل ما تموت وتسيبلي ديون المستشفى، كانت بتعلمني خامة كل خيط، وريحة كل مادة كيميائية بتدخل في النسيج! الخيط ده… لو اتقفل بيه جرح إنسان، المادة المكتومة جواه بتفرز سموم تذوب اللحم وتعمل تلوث دموي يموت في خلال 72 ساعة، وتبان أمام أي تقرير طب شرعي إنها ‘عدوى بكتيرية حادة لضعف المناعة’!”
حسن أغمض عينيه لثوانٍ، وصدره يعلو ببطء.
ثم فتح عينيه ونظر لعامر… نظرة إعدام صامتة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى