قصص قصيرة

سبوع ابن ضرتي

— علشان دي إهانة!

— ولا علشان خايفة؟

صفعته.

حدث كل شيء بسرعة.

وضعت سمر يدها على فمها بعد الصفعة وكأنها نفسها لم تصدق ما فعلته.

أما نادر فلم يتحرك.

فقط نظر إليها.

ثم قال:

— التحليل هيتعمل.

انفجرت سمر بالبكاء.

— أنا ماشية!

أمسكت حقيبتها وحاولت المرور.

لكن الحاجة صفية قالت:

— والواد يفضل.

استدارت سمر كالمجنونة.

— ابني مش هسيبه لحد!

— محدش قال خديه منك… بس طول ما بتقولي إنه ابن نادر، يبقى نادر من حقه يعرف.

صرخت:

— كلكم ضدي!

ثم نظرت إلى هبة.

وتحول بكاؤها إلى غضب.

— إنتِ السبب!

هبة لم تتحرك.

اقتربت منها سمر.

— كنتِ مستنية اليوم ده، صح؟ كنتِ مستنية تبوظي فرحتي!

قالت هبة بهدوء:

— لا.

— كدابة!

— أنا كنت مستنية أخرج من البيت ده بس.

سكتت سمر.

أكملت هبة:

— وجودك أو عدمه ما بقاش يفرق معايا.

ثم نظرت إلى نادر.

— ولا وجوده.

وكانت تلك الجملة أقسى عليه من كل ما سبق.

بعد ساعة…

كان البيت شبه فارغ.

الأقارب غادروا واحدًا وراء الآخر، وبعضهم خرج وهو لا يكاد يستطيع الانتظار حتى يمسك هاتفه ويحكي ما حدث.

الزينة ما زالت معلقة.

البالونات الزرقاء تتحرك مع الهواء.

وعلى الحائط عبارة:

“نورت الدنيا يا حبيب بابا.”

وقف نادر أمامها طويلًا.

ثم مد يده ونزعها.

جلس على الكرسي.

لأول مرة منذ ولادة الطفل، لم يشعر بأنه أب.

كان يشعر فقط بالخوف.

دخلت أمه.

— هتسيب هبة تمشي؟

لم ينظر إليها.

— هي اللي عايزة تمشي.

— طلقها.

رفع رأسه بسرعة.

— إيه؟

جلست أمامه.

— ما هي فضحتك قدام العيلة كلها.

ضحك نادر بسخرية.

— فضحتني؟

— أيوه.

— وأنا لما سيبتكم تفضحوها سبع سنين؟

سكتت.

قال:

— لما كنتِ بتقولي عليها عاقر وأنا عارف إن المشكلة عندي… مين اللي كان بيفضح مين؟

— أنا كنت عايزة مصلحتك.

— لأ.

وقف.

— إنتِ كنتِ عايزة حفيد.

ثم أشار إلى المكان الذي كانت سمر تجلس فيه.

— أهو جه.

وسكت لحظة.

— ويمكن ما يكونش حفيدك أصلًا.

وضعت الأم يدها على صدرها.

— ما تقولش كده.

— الحقيقة مش هتتغير علشان إحنا خايفين منها.

ثم صعد الدرج.

كان يعرف أين سيجد هبة.

دخل غرفتهما.

فوجد حقيبتين فوق السرير.

وهبة تطوي آخر قطعة من ملابسها.

وقف عند الباب.

— إنتِ فعلًا ماشية؟

لم تنظر إليه.

— أيوه.

— النهارده؟

— كنت ناوية أمشي بعد السبوع.

ضحك بمرارة.

— يعني كل حاجة كانت مترتبة؟

— من شهرين.

— والحاجة صفية؟

— هي اللي عرضت تبيعلي نصيبها.

— والمحامي؟

— مخلص كل حاجة.

اقترب.

— وأنا؟

توقفت يدها.

ثم التفتت إليه.

— إنت إيه؟

— كنتِ ناوية تقوليلي إمتى؟

— بعد ما ضيوفك يمشوا.

— ليه حضرتي السبوع أصلًا؟

سؤال واحد.

لكنه هدم شيئًا داخلها.

جلست على طرف السرير.

وظلت صامتة لحظات.

ثم قالت:

— علشان كنت عايزة أشوف.

— تشوفي إيه؟

ابتلعت غصتها.

— أشوف اليوم اللي كنت فاكرة إني هعيشه معاك.

لم يفهم.

فقالت:

— سبع سنين وأنا بتخيل اليوم اللي البيت ده يتملي فيه بالبلالين والزغاريد علشان ابننا.

لمعت عيناها.

— كنت متخيلة شكلك وإنت شايله… ومتخيلة أمك وهي بتزغرط… ومتخيلة حتى اسمه.

جلس نادر أمامها.

— هبة…

— فلما اليوم جه…

ابتسمت من وسط دموعها.

— حبيت أحضره.

ثم أضافت:

— حتى لو الطفل مش ابني.

خفض رأسه.

— أنا آسف.

ضحكت.

— متأخر.

— أصلح.

— بعض الحاجات ما بتتصلحش.

— هبة…

— إنت ما اتجوزتش عليا بس يا نادر.

نظرت في عينيه.

— إنت خليتني أكره جسمي.

صمت.

— كل مرة كنت ببص لنفسي في المراية كنت بحس إني ناقصة… وإنت كنت عارف إني مش ناقصة.

بكى.

ولأول مرة رأته يبكي منذ وفاة أبيه.

— كنت جبان.

هزت رأسها.

— فعلًا.

— بس كنت بحبك.

— الحب اللي يخلي صاحبه يضحي بيك علشان يحمي نفسه… مش الحب اللي أنا عايزاه.

أغلقت حقيبتها.

وحملتها.

أمسك يدها.

— ما تمشيش.

نظرت إلى يده.

— سيبني.

— هبة، اديني فرصة.

— نادر…

— فرصة واحدة.

سحبت يدها.

— الفرصة الوحيدة اللي مستنياها دلوقتي… فرصة أعيش لنفسي.

وتركت الغرفة.

مرّت ثلاثة أيام.

وهبة لم تعد إلى البيت.

أما نادر فأصر على التحليل.

وفي صباح اليوم الرابع، جلس في معمل خاص.

بجواره سمر.

والطفل في حضنها.

لم يتحدث أي منهما.

بعد انتهاء الإجراءات، خرجوا.

قالت سمر:

— لما النتيجة تطلع وتعرف إنك ظلمتني… عمرك ما هتشوفني تاني.

نظر إليها نادر.

— لو النتيجة قالت إنه ابني، هعتذرلك قدام نفس الناس اللي شكيت فيكي قدامهم.

— ولو مش ابنك؟

لم يرد.

لكنها ارتجفت.

بعد خمسة أيام…

كان نادر في مكتبه حين رن هاتفه.

— ألو؟

— الأستاذ نادر؟

— أيوه.

— نتيجة الفحص ظهرت، وتقدر حضرتك تستلمها.

شعر بقلبه يتوقف.

بعد أقل من ساعة كان أمام الموظف.

استلم الظرف.

جلس داخل سيارته.

ظل ممسكًا به دقائق.

ثم فتحه.

قرأ.

مرة.

مرتين.

ثلاثًا.

ولم يستوعب.

أسند رأسه إلى المقعد.

وأغمض عينيه.

ثم خرجت منه ضحكة قصيرة مخيفة.

الطفل…

ليس ابنه.

في الوقت نفسه…

كانت هبة جالسة أمام طبيبتها.

وهي تظن أن الموعد مجرد متابعة عادية بعد التحاليل.

لكن الطبيبة كانت تبتسم.

قالت هبة باستغراب:

— حضرتك بتبتسمي ليه؟

دفعت الطبيبة نتيجة تحليل أمامها.

— لأن عندي خبر أعتقد إنه هيغير خططك شوية.

نظرت هبة إلى الورقة.

لم تفهم في البداية.

ثم اتسعت عيناها.

— ده… إيه؟

ابتسمت الطبيبة.

— تحليل حمل.

شهقت هبة.

— حمل؟!

— مبروك.

تراجعت هبة في الكرسي.

— مستحيل.

— مفيش حاجة مستحيلة.

وضعت هبة يدها على بطنها.

— بس أنا ونادر…

وسكتت.

بدأ عقلها يحسب الأيام.

آخر مرة اقترب منها فيها نادر كانت قبل زواجه من سمر بفترة قصيرة.

رفعت رأسها للطبيبة.

— أنا حامل في قد إيه؟

نظرت الطبيبة إلى الملف.

وقالت الرقم.

تجمد الدم في عروق هبة.

الحساب صحيح.

الطفل…

طفل نادر.

ضحكت هبة من الصدمة.

ثم بكت.

وضعت كفيها على وجهها.

الرجل الذي تزوج عليها لأنه يريد طفلًا…

كانت تحمل طفله في أحشائها طوال الوقت الذي كان يحتفل فيه بطفل رجل آخر.

وفجأة رن هاتفها.

ظهر اسم نادر.

رفضت المكالمة.

رن مرة أخرى.

رفضتها.

ثم وصلتها رسالة.

فتحتها.

كانت جملة واحدة:

“الولد مش ابني… وعايز أشوفك ضروري.”

ظلت هبة تنظر إلى الشاشة.

ثم إلى نتيجة الحمل.

وضعت يدها فوق بطنها.

وهمست:

— يا ترى لما يعرف إن ابنه الحقيقي هنا… هيعمل إيه؟

لكنها لم تكن تعرف أن المفاجأة الأكبر لم تكن حملها.

بل هوية الرجل الذي أثبتت الأيام أنه والد طفل سمر الحقيقي.

والاسم الذي سيظهر…

سيهدم العائلة كلها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى