
لما كملت الستين
بصيت له.
— جواه الورقة دي.
وأشار للورقة.
— محمود كان كاتب كل حاجة. اسمك كامل. تاريخ ميلادك. وحتى الوعد بتاع الستين زهرة.
دموعي نزلت فورًا.
— بس هو كان عنده خمستاشر سنة.
— عارف.
ابتسم ابتسامة حزينة.
— لكنه كان جاد. وده كان محمود.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
— الورقة كان فيها اسمك بالكامل، وكمان اسم الشارع اللي كنتوا ساكنين فيه زمان. وأنا فاكر المنطقة كويس. سألت واحد من جيراننا القدامى، وعرفت إن أهلك سافروا من زمان، وإنك لسه عايشة في القاهرة. بعدها قدرت أوصل لعنوانك الحالي من خلال حد كان يعرف عيلتكم.
بصيت له وأنا مش قادرة أصدق.
قال:
— أول ما عرفت عنوانك، مقدرتش أرجع الورقة للصندوق وأنسى الموضوع.
— وعملت إيه؟
— طلبت الستين زهرة دوّار شمس من محل ورد في القاهرة، وخليتهم يوصلوها الصبح بدري قبل ما تصحي.
بصيت للورد.
— ليه؟
ابتسم بحزن.
— فكرت إني أقدر أوفي بالوعد مكانه.
حطيت إيدي على وشي.
قال حسام:
— محمود كان بيتكلم عنك طول الوقت وقتها. وكان نفسه يتجوزك لما تكبروا.
مسكت الورقة، وقرأت باقي الكلام أخيرًا.
مكانش كلام معقد.
مجرد كلمات ولد عنده خمستاشر سنة، كان بيعد بنت إنه يعمل لها حاجة كبيرة جدًا، باستخدام الحاجة الوحيدة اللي كان فاهم قيمتها وقتها.
الورد.
واضح إنه كتب الوعد في نفس اليوم، وحطه وسط حاجاته الخاصة.
خمسة وأربعين سنة، وأنا فاكرة إن الوعد ده عاش بس جوا ذاكرتي.
كنت غلطانة.
بص لي حسام وقال:
— لو كان عاش، كان هو اللي جاب لك الورد بنفسه. أنا متأكد.
مسحت دموعي.
— أنا عندي ستين سنة، ولسه دلوقتي بس فهمت إن ولد مات وهو عنده خمستاشر سنة حبني بصدق أكتر من الراجل اللي قضيت معاه معظم عمري.
ما ردش.
سابني أقعد مع الحقيقة.
قلت:
— سنين طويلة وأنا فاكرة إن التنازل هو الأمان. وإن قبول القليل هيحميني من إني أخسر كل حاجة.
بصيت للورد.
— ودلوقتي الورد ده بيوجعني أكتر من حاجات كتير جدًا.
قال بهدوء:
— محمود عمره ما كان عايز الورد يوجعك.
هزيت راسي.
— هو مش بيوجعني بسبب محمود.
بصيت له.
— بيوجعني عشان أنا نسيت إن الحب ممكن يكون بالشكل ده.
مشيت ناحية باب الشقة.
كان دوّار الشمس مالي مدخل الدور كله قدامي.
قلت:
— أنا قضيت عقود بخلط بين التحمل والحب.
حط حسام إيده على كتفي بحنان.
— بس إنتِ افتكرتي دلوقتي.
ابتسمت وسط دموعي.
— اتأخرت أوي.
ضحك بهدوء.
— محمود كان دايمًا بيقول: «الأحسن تتأخر عن إنك تخلف وعدك.»
ضحكت أنا كمان.
ولأول مرة من سنين، ضحكتي ما كانتش مجاملة ولا مصطنعة.
افتكرت إن مفيش حاجة تانية ممكن تحصل في اليوم ده وتلمسني أكتر من الورد.
لكن كنت غلطانة.
بالليل، وصل أولادي نهى وأحمد عشان عشا عيد ميلادي.
المطبخ كان مليان دوّار شمس.
نهى فتحت عينيها بدهشة.
— ماما، كل الورد ده جه منين؟
قبل ما أرد، رن جرس الشقة.
نهى بصت لي.
— يمكن أحمد نسي حاجة في العربية.
— أنا أفتح.
لكن قبل ما أوصل للباب، سمعت صوت كمال من الناحية التانية.
— كل سنة وإنتِ طيبة.
جسمي اتجمد.
كمال كان واقف عند الباب.
من غير دعوة.
بعد الطلاق، كان لسه محتفظ برقم نهى، وبعت لها قبل ما ييجي يسألها عن عنوان الشقة الجديدة. هي رفضت تدخله، لكنه حضر بنفسه، وقال إنه عايز يسلّم عليّ في عيد ميلادي.
نهى كانت واقفة جنبي، وقالت له بوضوح:
— أنا قلت لك يا كمال إنها مش عايزة تشوفك.
لكنه بص من فوق كتفها، ولمح الورد.
دخلت خطوة للأمام.
هو بص حوالين المكان بنفس الابتسامة المستفزة اللي استحملتها منه سنين طويلة.
والغريب إني ما حسيتش بخوف.
ولا إحراج.
ولا حتى توتر.
حسيت بهدوء بس.
قال:
— مين اللي بعت لك كل الورد ده؟
قلت:
— محدش.
رفع حاجبه.
— يعني إيه؟
بصيت له في عينه.
— ولد وعدني بالورد ده وأنا عندي خمستاشر سنة.
سكت لحظة.
ثم قلت:
— وهو وفّى بوعده بعد موته أحسن ما إنت وفيت بأي وعد وإنت عايش ومتجوزني.
الابتسامة اختفت من على وشه.
— كفاية دراما. أنا جيت بس أقول لك كل سنة وإنتِ طيبة.
— لأ.
هزيت راسي.
— إنت جيت عشان تفتكر إنك لسه تقدر تدخل حياتي وقت ما تحب، وتخليني أحس إني صغيرة ومش مهمة.
وشه اتغير.
لكن كملت:
— بس أنا مبقتش الست دي.
قال:
— يعني كده؟
— أيوه. بالضبط كده.
وأشرت ناحية باب الشقة.
— لو سمحت، اخرج.
فضل باصص لي.
كان مستني مني التردد القديم.
الخوف.
الرغبة إني أعتذر لمجرد إن الخلاف ينتهي.
لكن ولا حاجة من دي حصلت.
في الآخر، لف ومشي.
قفلت نهى الباب.
وبعدين بص لي أحمد وحط إيده على كتفي.
— ماما، إنتِ كويسة؟
بصيت لورد دوّار الشمس.
— أنا أحسن من كويسة.
وبعدين جمعت الورد كله في حضني.
سنين طويلة، وأنا فاكرة إن الحب لازم يكون فيه وجع.
وإن الوفاء معناه إنك تفضل.
وتسامح.
وتتحمل.
وتصغر نفسك عشان الشخص التاني ما يسيبكش.
لكن حب محمود عمره ما طلب مني أتوجع.
حتى وهو عنده خمستاشر سنة، عمره ما طلب مني أبقى أقل.
بصيت لنهى وأحمد.
وقلت:
— الورد ده ليكم.
وبدأت أقسم منه على أولادي، وأحتفظ بجزء صغير منه.
— إنتوا فضلتوا جنبي وأنا برجع أبني حياتي من الأول.
ولما فضلت زهرة واحدة، مسكتها وحطيتها على صدري.
— والواحدة دي ليا.
نهى ابتسمت.
— ليه دي بالذات؟
مسحت دمعة نزلت على خدي.
— عشان تفكرني إني أخيرًا فهمت أنا أستحق إيه.
بعد ما الكل مشي، حطيت زهرة دوّار الشمس الوحيدة بتاعتي في كوباية إزاز جنب الشباك.
وفضلت واقفة قدامها وقت طويل.
وبعدين فهمت أخيرًا ليه الماضي رجع لي في عيد ميلادي الستين.
محمود ما رجعش عشان يخوفني.
ووعده ما رجعش عشان يخليني أعيش في الحزن على اللي خسرته.
الوعد رجع عشان يفكرني بحاجة أنا نسيتها لمدة خمسة وأربعين سنة.
الحب عمره ما المفروض يطلب منك تختفي.
وأحيانًا، الماضي مش بيرجع عشان يعطلك.
أحيانًا…
بيرجع عشان يحررك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





