
قبل ما اتبرع
أنا دفعت تمن كل حاجة. الدكتور قال إن الإجراءات جاهزة.
رد الراجل:
— المشكلة مش في الإجراءات. المشكلة إن المتبرعة عرفت.
جوزي قال:
— حد حذرها.
سكتوا.
وبعدين قال:
— هعرف مين.
في اللحظة دي…
إيده لمست طرف العربية.
حسيت بيها تتحرك.
كان هيبص جواها.
لكن فجأة موبايله رن.
رد.
— أيوه يا أمي.
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
— إزاي يعني الممرضة اختفت؟!
قلبي وقف.
خرج بسرعة.
الرجالة خرجوا وراه.
فضلت مستخبية حوالي دقيقة كاملة.
يمكن أكتر.
مكنتش عارفة.
الوقت نفسه فقد معناه.
طلعت ببطء.
بصيت ناحية الباب.
مفيش حد.
جريت.
وصلت لمخزن الغسيل.
وفي آخره فعلًا كان فيه باب تحميل كبير.
لكن قبل ما أوصله…
لقيت راجل أمن واقف قدامه.
رجعت بسرعة ورا رف كبير.
مفيش طريق.
بصيت ناحية باب جانبي صغير.
مكتوب عليه:
نفايات طبية
فتحت.
ريحة المطهرات ضربت في وشي.
كان فيه ممر صغير بيؤدي لساحة خلفية.
جريت فيه.
وصلت لباب حديد.
دفعته.
وخرجت.
المطر نزل على وشي مرة واحدة.
كنت بره المستشفى.
لكن فرحتي ماكملتش ثانيتين.
الساحة الخلفية كانت محاطة بسور عالي.
وفي آخرها بوابة عليها حارس.
بصيت يمين.
عربيات إسعاف.
شمال.
عربية نقل نفايات كانت بتتحرك ببطء ناحية البوابة.
جريت ناحيتها.
فتحت الباب الخلفي قبل ما تتحرك بسرعة، وطلعت.
استخبيت ورا صناديق بلاستيك.
العربية اتحركت.
وصلت البوابة.
سمعت الحارس بيقول للسواق:
— استنى.
العربية وقفت.
— أوامر جديدة. لازم نفتش العربيات.
نفسي وقف.
سمعت الباب الخلفي بيتفتح.
نور دخل.
الحارس طلع جوه.
خطواته قربت.
كنت مستخبية بين صندوقين.
قرب أكتر.
وفجأة جهازه اللاسلكي اشتغل:
— لقيناها!
الحارس وقف.
صوت جوزي جه من الجهاز:
— فين؟
— الدور التاني، عند المصاعد!
الحارس نزل بسرعة.
الباب اتقفل.
العربية اتحركت.
معرفتش مين اللي شافوه.
لكن فهمت حاجة واحدة.
الممرضة.
كانت بتضحي بنفسها علشان تخرجني.
بعد دقايق، العربية خرجت من المستشفى.
فضلت مستخبية لحد ما حسيت إننا بعدنا.
ولما العربية وقفت عند إشارة، فتحت الباب ونزلت.
جريت تحت المطر.
مكنش معايا موبايل.
ولا فلوس.
ولا بطاقة.
ولا حتى هدومي.
كنت ست هربانة بزي عاملة نظافة من مستشفى خاص، ومش عارفة أروح فين.
أول فكرة جت في دماغي كانت الشرطة.
وبالفعل، بدأت أدور على أي حد يساعدني.
لكن فجأة افتكرت حاجة.
جوزي كان يعرف ناس كتير.
والدكتور كان صديق عيلته من سنين.
وكل الأوراق الرسمية جوه المستشفى بتقول إني داخلة بإرادتي لإجراء عملية تبرع.
لو رحت أقول إنهم كانوا هيقت/لوني علشان ياخدوا قلبي…
مين هيصدقني؟
وقفت تحت مظلة محل مقفول.
كنت برتعش.
وفجأة سمعت صوت عربية وقفت قدامي.
رجعت لورا.
الباب اتفتح.
ونزلت منها…
الممرضة.
شهقت.
— إنتِ؟!
كانت هدومها مبلولة، وشعرها لازق في وشها، وفي خدها جرح صغير.
قالت:
— اركبي بسرعة.
— إنتِ هربتي إزاي؟
— بعدين.
— ابنك؟
وشها اتغير.
— اركبي.
ركبت.
انطلقت بالعربية بسرعة.
فضلت باصة لها.
— مين إنتِ؟
ما ردتش.
قلت:
— وليه بتساعديني؟
شدت على الدركسيون.
— لأنك لو متي الليلة… أنا مش هقدر أبص في وش نفسي تاني.
— ده مش جواب.
سكتت.
قلت:
— إنتِ قلتي إن ابنك جوه المستشفى. إيه علاقة ابنك بالموضوع؟
دموع نزلت من عينيها.
لكنها ما مسحتهاش.
قالت:
— ابني عنده سبعتاشر سنة.
— ماله؟
— محتاج زراعة قلب.
اتجمدت.
بصيتلها.
وبعدين فهمت الجملة بطريقة خلت جسمي كله يبرد.
قلت بصوت مخنوق:
— لا…
الممرضة بصتلي.
— متفهميش غلط.
— قلبي كان لابنك؟!
— لأ!
صرختها بسرعة.
وقفت العربية فجأة على جنب الطريق.
لفتلي.
— والله لأ. ابني ملوش علاقة باللي كانوا هيعملوه فيكي.
قلت:
— أمال إيه علاقته؟
حطت وشها بين إيديها للحظة.
وبعدين رفعت راسها.
— أنا عرفت الشبكة دي بسبب ابني.
— شبكة إيه؟
— شبكة بتتاجر في الأعضاء من جوه المستشفى.
بصيتلها وأنا مش قادرة أستوعب.
قالت:
— من أربع شهور، ابني دخل قائمة انتظار لزراعة قلب. الدكتور عرض عليا حل.
— حل إيه؟
— قاللي لو دفعت مبلغ معين… ابني ممكن يطلع فوق ناس مستنية من سنين.
سكتت.
— رفضت.
— وبعدين؟
— بدأت أشك. دورت في ملفات المرضى. لقيت حاجات مستحيل تكون صدفة.
قربت منها.
— زي إيه؟
قالت:
— ناس داخلة عمليات بسيطة… وتموت فجأة.
— وبعدين؟
— عائلات توافق بسرعة على التبرع بأعضائهم.
— يمكن ده طبيعي.
هزت راسها.
— مش لما نفس الدكتور يكون موجود في كل الحالات.
قلبي خبط.
قالت:
— ومش لما كل الأعضاء تروح لمرضى محددين بيدفعوا مبالغ ضخمة.
سألتها:
— وجوزي؟
بصت قدامها.
— جوزك مش مجرد شخص وافق يبيعك.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— جوزك واحد منهم.
حسيت الدنيا اسودت.





