
بيلا آدامز (1893): الفتاة ذات العيون البنية التي لم يستطع أحد تفسيرها
استغرق الأمر ما يقرب من قرنين ليشرح الناس حياة هذه الفتاة ذات العيون البنية
وصلت البرقية إلى مستشفى فيلادلفيا العام في مساء ممطر في سبتمبر 1893.
أرسلها طبيب ريفي في ولاية ديلاوير بعد أن رأى شيئًا عجز عن تفسيره، ولم يتوقع أن يصدقه أحد. مارس الدكتور ويليام كروس الطب لمدة واحد وثلاثين عامًا في بلدات صغيرة، حيث وثق به الناس ثقة مطلقة وائتمنوه على حياتهم وأسرارهم. لم يكن من النوع الذي يبعث رسائل عاجلة إلى مستشفيات المدن مدّعيًا وقوع معجزات.
لكن في تلك الليلة من شهر سبتمبر، ارتجفت يداه وهو يكتب كلماتٍ ستغيّر كل شيء.
وصف فتاةً سمراء، في نحو التاسعة من عمرها، ابنةَ عاملةِ غسيلٍ في بلدة ميلبروك، دخلت عيادته بينما كان يفحص مزارعًا يشكو من آلامٍ في الصدر. راقبت الفتاة بصمتٍ لأقل من دقيقة، ثم جذبت كمَّ الدكتور كروس وهمست بشيءٍ بثَّ في نفسه الرعب.
قالت إن المزارع لم يكن يعاني من عسر الهضم كما ظن. وأضافت أن ذراعه اليسرى تؤلمه منذ ثلاثة أيام، وأن فكه يؤلمه عند صعود الدرج، وأن زرقةً خفيفة حول أظافره تشير إلى قصورٍ في القلب. وأكدت أنه إن لم يستلقِ فورًا ويتوقف عن الحركة، فسيمــ,,ـــــوت في غضون ساعة.
نظر الدكتور كروس إلى المزارع بتمعّن. فحص أظافره؛ كانت زرقاء باهتة، لا تكاد تُرى إلا لمن يدقّق النظر. سأله عن ألم ذراعه. اعترف المزارع بأنه كان يزعجه، لكنه ظن أنه نام عليها بطريقةٍ خاطئة. وعن ألم الفك عند صعود الدرج، أجاب: نعم، لكنني أتقدم في السن… أليس هذا طبيعيًا؟
أجبر الدكتور كروس المزارع على الاستلقاء على طاولة الفحص، ثم استدعى المساعدة. نجا الرجل مما تبيّن لاحقًا أنه نوبة قلبية حادة، ولكن بفضل فتاةٍ في التاسعة رأت ما غاب عن طبيبٍ متمرس.
“كيف عرفتِ؟” سألها الدكتور كروس بصوتٍ مرتعش.
أزعجه ردُّ الطفلة إلى درجةٍ دفعته لإرسال تلك البرقية.
قالت: “قرأتُ عن ذلك في كتابٍ طبي يا سيدي. علامات قصور القلب. أتذكر كل ما أقرأه، وأستطيع رؤية أشياء لا تتطابق مع ما يُفترض أن يكون طبيعيًا. قلبه لم يكن يتصرف كقلبٍ سليم. كان هناك خللٌ في نمطه.”
سألها عن الكتاب الطبي الذي ربما قرأته. كانت ابنةَ امرأةٍ سوداء يُفترض أنها أمية، عاملةِ غسيلٍ لا تملك ثمن أي كتاب.
جاء جواب الفتاة بسيطًا: “ترك الدكتور هاريسون كتبه الطبية مفتوحةً على مكتبه عندما كنت أنظف عيادته مع أمي. كنت أتصفح الصفحات بينما كانت تعمل. أتذكرها جميعًا… كل صفحة، كل كلمة، كل صورة.”
لم يصدقها الدكتور كروس. اختبرها؛ أخرج كتبًا طبية من رفّه، فتحها عشوائيًا، وطلب منها قراءة مقاطع لم ترها من قبل. قرأتها بطلاقة، ثم أعادت سردها عن ظهر قلب بعد ساعة دون خطأ. أراها رسوماتٍ تشريحية، فحددت كل بنيةٍ وعظمةٍ وعضوٍ بالمصطلحات اللاتينية الصحيحة. وصف لها أعراضًا، فاقترحت تشخيصاتٍ دقيقة، وأحيانًا أدق من تشخيصاته الأولية.
كانت في التاسعة. لم تلتحق بالمدرسة قط. تعلمت القراءة بالمشاهدة عبر النوافذ ودراسة الصحف المهملة، وفهمت الطب على مستوى يفوق معظم الأطباء الذين عرفهم.
اختتم الدكتور كروس برقيته بنداء:
“لا أعرف ماذا أفعل بهذه الطفلة. لديها موهبة لا أستطيع تفسيرها ولا يمكنني تجاهلها. إنّها بحاجةٍ إلى من يملك مواردٍ أكثر مني ليفحصها، ويفهمها، ويساعدها على تحقيق كامل إمكاناتها. أرجوكم، انصحوني.”
وصلت البرقية إلى الدكتور جيمس ويتفيلد، رئيس قسم الطب الباطني في مستشفى فيلادلفيا العام، وهو رجلٌ عُرف بفضوله تجاه الحالات غير المألوفة واستعداده للتحقيق في ادعاءاتٍ رفضها آخرون. قرأ البرقية ثلاث مرات، ثم طواها بعناية ووضعها في درج مكتبه. وظل يفكر فيها يومين.
وفي اليوم الثالث، استقل قطارًا إلى ديلاوير.
كانت بلدة ميلبروك عام 1893 مكانًا يكاد يُوجد ليُنسى. مئتا نسمة، معظمهم من المزارعين والعمال، يعيشون في بيوتٍ خشبية تميل قليلًا مع الريح. أما السكان الملوّنون فسكنوا الجانب الشرقي من البلدة، في منازل صغيرة قرب الجدول الذي يفيض كل ربيع.
وجد الدكتور ويتفيلد العنوان المعطى له: منزلٌ ضيق بشرفةٍ متداعية ونوافذ مغطاة بستائر من أكياس الدقيق. طرق الباب، وشعر بنظرات الجيران تراقبه من الشرفات المجاورة، متسائلين عن سبب وجود رجلٍ أبيض أنيق في هذا الجزء من البلدة.
فتحت الباب امرأةٌ في نحو الثلاثين، بدا على وجهها إرهاق سنواتٍ من العمل الشاق والقلق الدائم. ارتدت فستانًا باهتًا ومئزرًا لا يزال رطبًا من الغسيل. كانت يداها خشنتين حمراوين؛ يدا من قضت أيامها في غسل ثياب الآخرين.
“هل يمكنني مساعدتك يا سيدي؟” حمل صوتها حيادًا حذرًا؛ لا ترحيبًا ولا عداءً، بل حذرًا فقط.
“أنا الدكتور جيمس ويتفيلد من فيلادلفيا. تلقيت رسالةً من الدكتور كروس بخصوص ابنتك. هل هي هنا؟”
تغيّر شيءٌ في ملامح المرأة. ربما خوف… أو استسلام. لم تسأل عمّا تعنيه الرسالة. تنحّت جانبًا وفتحت الباب.





