قصص قصيرة

ابنى

وهو كل يوم يصحيني من النوم بصراخه وهو بيقول خرجني من هنا يا بابا، ومع تكرار الحلم ده عملت حركة مجنونه واخدت ناس البلد وفتحت واللي شوفته ميستوعبهوش عقل اصعب صدمة مرت عليا !!

كنت حاسس اني بتنفس في الدنيا دي ب عمر. عمر ابني، اللي عنده عشرين سنة، كان هو النفس اللي بكمل بيه حياتي، والونيس الوحيد اللي فاضلي في الدنيا دي كلها. بعد ما أمه  وراحت لربها، وبعد ما أخته اتجوزت وسافرت مع جوزها، مبقاش ليّ في الدنيا غيره. كنا ننام ونصحى سوا، ناكل ونشرب سوا، كان هو أخويا وصاحبي وابني وكل أهلي.
وفي يوم، اليوم الأسود اللي مش هيتمسح من ذاكرتي طول ما أنا عايش، كان راجع من جامعة القاهرة زي عادته، واقف مستني المواصلات، ومرة واحدة جات عربية مسرعة طيرته… في ساعتها.
لما جالي الخبر، حسيت إن روحي هي اللي طلعت مش روحه. الموت أخد مني حتة من قلبي ودفنها تحت التراب. الأيام بقيت شبه بعضها، الحزن خيم على البيت، الشقة بقت فاضية وضلمة، والدموع مبقتش تنشف من عيني، اكتئاب ملهوش نهاية، وحسيت إن كل حاجة في الدنيا دي انتهت خلاص ومبقاش ليها أي معنى.
بس العذاب الحقيقي مبدأش يوم الحادثة… العذاب بدأ بعد ما دفنته بليلتين.
كنت نايم، وصحيت على صوت . صوت عمر! شفته في الحلم واقف قدامي، بس المنظر كان يرعب… كان في شوكة كبيرة مغروسة في ، وهو بوجع يقطع القلب وبيترجاني خرجني من هنا يا بابا! طلّعني من هنا!
قمت من النوم مفزوع، عرقان وقلبي بيدق زي الطبلة. اتعوذت من الشيطان، قمت اتوضيت وصليت ركعتين، وقعدت أدعيله وأقرأله قرآن. قلت في نفسي دي أضغاث أحلام، أنا بس عشان بفكر فيه ومش قادر أصدق إنه فارقني.
تاني يوم… نفس الكابوس. بنفس الصريخ خرجني من هنا يا بابا!

كنت . طيب ليه معقوله ابني ؟ بس عمر ده طول عمره كان نسمة، ولد تقي وبار، بيصلي فروضه كلها في وقتها، بيصوم، وبيطلع زكاة، والقرآن ده مكنش بيفارق إيده ولا لسانه لحظة. ولد متربي وعارف ربنا، ليه الكابوس ده؟
قلت خلاص، أنا اللي عقلي طار وأنا اللي جايز اكون تعبت. رحت لدكتور نفساني، قعدت معاه وحكيتله، كتبلي على مهدئات وادويه، وقال لي دي صدمة نفسية جامدة يا عبد السميع، عقلك الباطن مش قادر يستوعب الفقد، عشان كده بيصورلك الكوابيس دي.
أخدت العلاج، وقلت يمكن أرتاح… بس ولا المهدئات عملت حاجة. وجالي عمر بنفس منظره وبنفس الصرخة اللي بتهز كياني.
لحد ما جت الليلة اللي غيرت كل حاجه. صليت العشا وقعدت ادعي لابني ونمت بالعافيه وقتها شفت في المنام مراتي الله يرحمها، واقفة وجنبها عمر، وكانت بتبكي وقالت: خرج ابنك يا عبد السميع!

أول ما الشمس طلعت، جريت على أخواتي الشباب وبعض كبارات البلد. حكيتلهم وقلتلهم أنا لازم أفتح  ابني!
الناس بصولي بنظرات حزن وتأسف، وكانوا راسهم ويقولو لا حول ولا قوة إلا بالله.
كانو فاكرين اني اتجننت… بس انا قولت حتى لو فعلا المشكله في عقلي لازم اطمن وافتح .
حاولوا يمنعوني ويهدوني، بس أنا صممت وزعقت وقلت لو محدش جه معايا هروح لوحدي وأفتحه بأيدي!
شافوا إصراري فمشوا معايا عشان اهدى.
وصلنا المقابر، وريحة التراب والشمس كانت حامية. وقفوا ورايا وهما بيدعولي بالشفاء والرحمة، وأنا بدأت أزيل التراب وفتحنا القبر انا واخواتي.
وبصينا كلنا في القبر، الناس اللي كانوا شايفاني مجنون، رجعو لورا وهما في  شديدة، أما أنا… أنا اتجمدت في مكاني، وكنت هفقد وعيي من اللي شفته جوة .
فضلت واقف قدام القبر مش قادر أتحرك.
التراب اتشال، والتابوت ظهر قدام عيني، لكن اللي شوفته جواه خلّى الدم يننسحب من وشي.
واحد من أخواتي حط إيده على كتفي وقال بصوت مرتعش: عبد السميع استغفر ربنا.
ما رديتش، كنت ببص على ، لكن الحاجة اللي خوفتني مش الكفن نفسه، كان فيه أثر واضح عليه من ناحية الجنب، كأن حاجة حادة ضغطت عليه من الداخل.
اتراجعت خطوة وأنا بقول: مستحيل!
أخويا قرب أكتر، وبص هو كمان، وبعدها رفع عينه ليا وقال: إنت شفت اللي أنا شايفه؟
قبل ما أرد، سمعنا صوت واحد من الرجالة الواقفين وراينا: محدش يلمس حاجة!
اتجمعوا حوالين القبر، وكل واحد فيهم بيحاول يفهم إيه اللي حصل.
أما أنا، فكنت حاسس إن رجلي مش شايلاني، لأن منظر رجّعني فورًا للحلم، نفس المكان اللي كان عمر بيشاور عليه وهو : خرجني من هنا يا بابا!
مديت إيدي ناحية الكفن، لكن أخويا مسكني بسرعة: استنى يا عبد السميع إحنا لازم نفهم الأول.
بصيتله وقلت: نفهم إيه؟ ابني كان كل ليلة قدامي في المنام! وأنا لازم أعرف هو كان بيطلب مني أخرجه من إيه.
وفجأة، واحد من كبارات البلد كان واقف بعيد، أول ما بص جوه القبر اتغير لون وشه، فضل ساكت ثواني، وبعدين قال جملة خلت كل اللي حواليا يسكتوا: يا عبد السميع إنت ابنك هنا فعلًا؟

هز راسه وقال: لأن في حاجة في ده مش المفروض تكون موجودة أصلًا.
الجملة دي وقعت عليّا كأنها . بصيت له وأنا مش فاهم، وقلت: أيوه بنفس إيدي حطيته هنا يوم . إنت بتقول إيه؟
الراجل قرب من أكتر، وانحنى وهو بيبص جوه، وبعدها قال: طب بص تحت بس اوعى تلمس حاجه.
قلبي بدأ يدق . قربت رغم إن رجلي كانت بتترعش، وبينما أخويا بيبعد جزء من التراب، ظهر شيء صغير عند طرف القبر: قطعة معدنية صدئة.
مديت إيدي أمسكها، لكن الراجل الكبير صرخ: سيبها!
اتجمدت مكاني وقلت له: ليه؟
بص لي بنظرة غريبة وقال: لأن دي مش من حاجات ابنك.
سكتنا كلنا. أخويا مسك مصباح الموبايل ووجهه ناحية القبر، وفجأة ظهر شيء تاني تحت التراب: سلك معدني طويل ومدبب، نفس الشكل تقريبًا اللي كنت بشوفه كل ليلة في الحلم، الشوكة اللي كانت مغروسة في جنب عمر!
رجعت لورا وأنا بحط إيدي على صدري: يا نهار أسود!
واحد من الرجالة قال: يمكن دي حاجة قديمة مدفونة هنا.
لكن الراجل الكبير هز راسه: لا القبر ده اتفتح قبل كده.
بصيت له بسرعة: إيه؟ مين فتحه؟
ما ردش، فضل ساكت وعينيه على القبر، لحد ما أخويا مسكه من كتفه وقال: اتكلم يا حاج حسن إنت عارف حاجه؟
رفع عينه علينا وقال بصوت منخفض: بعد دفنة عمر بيوم أنا شفت واحد واقف هنا بالليل.
سألته وأنا حابس نفسي: واحد مين؟
قال: معرفش.

شكله إيه؟

كان لابس جلابية غامقة وواقف قدام قبر ابنك.
قربت منه: وعمل إيه؟
بلع ريقه وقال: كان بيحفر.
سكت الجميع، أما أنا فحسيت إن الحلم اللي كان بيطاردني كل ليلة بدأ يتحول لحقيقة .
لكن قبل ما أسأله أي سؤال تاني، سمعنا صوت خبط خفيف جاي من ناحية القبر: تك تك تك.
كلنا بصينا لبعض، والخبط اتكرر: تك تك تك.
أخويا قال: الصوت ده جاي منين؟
وقتها حسيت إن الدم تجمد في عروقي، لأن الصوت كان طالع من تحت القبر.
فضلنا واقفين مكاننا والخبط جاي من تحت التراب: تك تك تك.
واحد من الرجالة قال بصوت مرتعش: يمكن صوت حجر بيتحرك.
لكن محدش صدقه، لأن الخبط كان منتظم كأن حد بيخبط بإيده.
قربت من  : عمر؟!
سكت الصوت، اتنفسنا كلنا الصعداء للحظة، لكن بعدها مباشرة سمعنا خبطتين أقوى: دق دق!
انهرت على ركبتي وأنا بقول: ابني هنا أنا عارف إن ابني هنا!
أخويا شدني بعيد وقال: اهدى يا عبد السميع، عمر قدامنا.
صرخت فيه: أمال مين اللي بيخبط؟!
وفجأة، الحاج حسن بص ناحية طرف القبر ووشه اتغير وقال: استنوا.. وأشار بإيده ناحية التراب اللي جنب القبر.
كان فيه أثر أقدام حديث، والأغرب إن الأثر كان رايح من القبر ناحية سور المقابر، لكن مفيش أي أثر أقدام جاي من الناحية التانية، يعني اللي عمله كان واقف عند القبر نفسه.
الحاج حسن قال بصوت واطي: الشخص اللي شفته بالليل رجع.
بصيت له: إنت شفته إمتى؟

قبل الفجر بيومين.

وليه ما قلتليش؟

لأنه لما شافني هددني.
حسيت ببرودة في جسمي: هددك بإيه؟
قرب مني وقال: قال لي بالحرف.. وسكت لحظة ثم أكمل: لو أبو عمر عرف اللي حصل ليلة الحادثة مش هيسكت.
اتجمدت.. ليلة الحادثة؟
أنا طول الفترة اللي فاتت كنت فاكر إن ابني مات في حادث عادي، عربية مسرعة وسواق فقد السيطرة والموضوع انتهى. لكن لأول مرة، بدأ الشك يدخل قلبي.
بصيت للقبر ثم بصيت للحاج حسن وقلت: إنت عايز تقول إن موت ابني مكنش حادث؟
هزّ الحاج حسن رأسه ببطء وقال: أنا مش بقول كده من دماغي يا عبد السميع، أنا بقولك إن في حاجة حصلت قبل ما عمر يموت.
قربت منه وأنا مش قادر أسيطر على أعصابي: حاجة إيه؟
بص حواليه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدين قال: يوم عمر ما كان لوحده.
الجملة دي خلتني أحس إن الدنيا لفت بيا: يعني إيه مش لوحده؟

قبل الحادثة بساعات، أنا شفته واقف عند أول البلد مع شاب غريب، كانوا بيتكلموا بعصبية.

شاب مين؟

معرفوش، بس عمر كان باين عليه الخوف.
صرخت: وليه ما قلتليش الكلام ده وقتها؟!

لأن بعد الحادثة، لما سألت عن الشاب، محدش عرفه. وبعد دفنة عمر، ظهر نفس الشاب هنا عند .
نظرت إلى أخي، ثم إلى القبر، ثم عدت للحاج حسن: إنت متأكد إن ده حصل؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارة بتقف عند مدخل المقابر، كلنا التفتنا.
نزل منها رجل في منتصف الثلاثينات، وقف بعيدًا، ولما شافنا عند عمر اتجمد مكانه.
الحاج حسن بص له وشه اصفر فجأة وقال بصوت يكاد لا يُسمع: هو ده.
قلبي وقع في رجلي: هو مين؟
الحاج حسن أشار ناحية الرجل وقال: ده نفس الشخص اللي شفته واقف عند قبر ابنك ليلة .
الرجل أول ما شافنا، بصّ ناحية القبر وبعدين بصّ للحاج حسن، وفي اللحظة دي حصلت حاجة أغرب من كل اللي شفته، الرجل ما هربش، بالعكس بدأ يمشي ناحيتنا بهدوء.
أنا وقفت قدامه وقلت: إنت مين؟
ما ردش، كرّرّت السؤال بصوت أعلى: إنت كنت فين يوم موت ابني؟
اتغيرت ملامحه وقال: أنا ما كنتش عايز أجي هنا.
صرخت فيه: أمال جيت ليه؟!
بص للقبر وقال: عشان أتأكد إنهم ما عملوش اللي كنت خايف منه.
قلبي انقبض: مين هم؟
رفع عينه ليا وقال: الناس اللي دفنوا عمر.
صرخت: إنت بتتهمني أنا وأهلي؟!
هز راسه بسرعة: لا أنا مش أقصدك.. وبعدين قرب مني وقال جملة خلتني مش قادر أتنفس: ابنك ما ماتش بالطريقة اللي قالوهالك.
وقبل ما ألحق أسأله، سمعنا صوت ارتطام من داخل القبر، كلنا بصينا ناحية الكفن، والرجل الغريب اتراجع خطوتين ووشه بقى أبيض وقال: افتحوا الكفن.

ليه؟
رد وهو بيبص : عشان هتلاقي علامة تثبت إن عمر كان لسه عايش لما اتدفن.
سكتنا كلنا للحظة، وكأن الجملة دي شلت الهواء من المكان. بصيت للرجل وقلت: إنت بتقول إيه؟! عمر اتوفى في الحادث قدام الناس!
قال: أنا عارف اللي اتقال بس أنا كنت هناك.
قربت منه وأنا مش قادر أتحكم في نفسي: كنت هناك وشفت إيه؟
بص للقبر وقال: شفت العربية وهي بتخبطه وشفت الناس وهي بتجري عليه.

وماله؟!

عمر كان بيتنفس.
حسيت إن الدنيا اسودّت قدام عيني: مستحيل! الإسعاف وصل والدكتور قال إنه لسه فيه نبض ضعيف، لكن قبل ما ياخدوه جه واحد وقال إن حالته انتهت ومفيش فايدة.
صرخت: مين؟!
الرجل سكت. مسكته من هدومه: مين اللي قال كده؟!

واحد كان واقف جنب العربية وأنا شفته بعدها بساعات عند المستشفى.

تعرفه؟

هز رأسه: لأ، لكن عندي حاجة أخطر.
أخرج موبايله وفتح صورة قديمة ومدّها لي. بصيت للشاشة واتجمدت.
كانت صورة لعمر بعد الحادث، لكن عمر في الصورة كان مفتوح عينيه، وتحت الصورة مباشرة ظهر وقت التقاطها، والوقت كان بعد موعد إعلان وفاة عمر بساعة كاملة!
الصورة فضلت قدامي وأنا مش قادر أصدق اللي عيني شايفاه. قربت الموبايل من وشي وبصيت للصورة مرة تانية، كان عمر فعلًا ملامحه هي، هدومه هي، حتى الجرح اللي فوق حاجبه كان موجود، لكن أكتر حاجة رعبتني إن عينيه كانوا مفتوحين.
قلت للرجل: إنت صورت الصورة دي إمتى بالظبط؟

بعد الحادث بحوالي ساعة.

ومين كان معاك؟

محدش.

طب ليه ما وريتهاليش وقتها؟
خفض عينه وقال: حاولت بس الموبايل اختفى مني يومها، ولما لقيته كنت خايف أتكلم.. مد إيده وأشار للصورة: بص في الخلفية.
كبرت الصورة، ورا عمر كان فيه باب معدني كبير وعلى الحيطة فوقه رقم واضح: 17.
بصيت للحاج حسن فقال: ده مش مستشفى الحوادث.
الرجل هز رأسه: عارف.

أمال المكان ده فين؟
سكت شوية وبعدين قال: المكان ده موجود جوه المستشفى لكن مش في الجزء اللي الناس بتدخل فيه.
حسيت إن نفسي اتقطع.. عمر كان هناك ليه؟
الرجل قال: دي بالضبط الحاجة اللي بحاول أعرفها من يوم .
وفجأة، سمعنا صوت عربية تانية عند مدخل المقابر، لكن المرة دي ما كانتش عربية غريبة، كانت عربية المستشفى.
نزل منها رجل كبير في السن، وأول ما شاف الصورة في إيدي وقف مكانه، بص لعمر في الصورة وبعدين بص لي وقال: إنت جبت الصورة دي منين؟

من الراجل ده.
اقترب مني ببطء وقال: الصورة دي ما ينفعش تكون موجودة معاك.

ليه؟
رد بصوت خافت: لأن المكان اللي اتصورت فيه الصورة دي اتقفل من تسع سنين.
بصيت للدكتور وأنا حاسس إن الكلام اللي قاله مستحيل يكون حقيقي: اتقفل من تسع سنين؟ إزاي؟ الصورة دي اتصورت يوم حادث ابني!
الرجل الغريب تدخل وقال: أنا كمان كنت فاكر إن المكان ده مهجور لحد ما شفت عمر جواه.
الدكتور بص له بغضب: إنت ما ينفعش تتكلم عن الموضوع ده.
رد عليه: بالعكس دلوقتي لازم أتكلم.
قربت منهم وقلت: كفاية ألغاز! أنا أبو عمر، ومن حقي أعرف ابني حصل له إيه.
الدكتور سكت لحظات وبعدين قال: عمر وصل المستشفى وهو مصاب إصابات ، لكن كان فيه شيء غريب في ملفه.

إيه؟

تقرير الاستقبال كتب إن حالته كانت مستقرة نسبيًا في أول دقائق.
حسيت بصدمة: يعني كان عايش؟
هز رأسه: أيوه.

طب مات إمتى؟
الدكتور بص ناحية القبر وقال: دي المشكلة.. الوقت الموجود في شهادة الوفاة مختلف عن الوقت الموجود في سجل المستشفى.

مختلف قد إيه؟

حوالي ساعة ونصف.
اتراجعت خطوة، الصورة اللي في إيدي كانت بتثبت إن عمر كان موجودًا في مكان مقفول بعد الوقت المفترض لوفاته، لكن قبل ما أستوعب، الرجل الغريب قال: وفي حاجة أهم.
بصيت له: إيه؟
أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها لي، فتحتها وكانت عبارة عن صورة من سجل قديم، وفي أسفل الصفحة كان فيه اسم عمر، لكن بجانبه لم يكن مكتوبًا ، كان مكتوبًا: تم نقله.
رفعت عيني له وقلت: اتنقل لفين؟
الرجل لم يجب.
وفي نفس اللحظة، الحاج حسن من عند : عبد السميع!
جريت ناحيته، كان واقفًا أمام الكفن وفي إيده شيء صغير وجده بين التراب، تناولني إياه وهو يرتجف.
كان مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، وعليه رقم محفور بوضوح: 17.
محدش اتكلم. فضلت ماسك المفتاح في إيدي وببص للرقم المحفور عليه: 17.
الرجل الغريب قرب مني وقال: المفتاح ده لازم يفضل معايا.
شدّيت إيدي وقلت: لأ.. من اللحظة دي كل حاجة تخص ابني هتفضل معايا أنا.
بص لي لحظات وبعدها قال: يبقى لازم تعرف الحقيقة كاملة.

حقيقة إيه؟
أشار للمفتاح: الرقم 17 مش رقم .. ده رقم .
قلبي دق بعنف: غرفة فين؟

في المبنى القديم بتاع المستشفى.
الدكتور تدخل بسرعة: محدش يروح هناك.
بصيت له: ليه؟
ما ردش. قربت منه وقلت: إنت عارف الغرفة دي، صح؟
فضل ساكت.

وعارف ابني كان فيها ليه.
رفع عينه ليا وبعد لحظة قال: أنا كنت المناوب ليلة الحادث.
سكت الجميع وأنا قلت: يبقى إنت آخر واحد شاف عمر.
هز رأسه ببطء: أيوه.

وعمر كان عايش؟
الدكتور غمض عينه كأنه بيحاول يهرب من السؤال، وبعد ثواني قال: كان عايش.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي: وإيه اللي حصل بعد كده؟
الدكتور بص للمفتاح اللي في إيدي وقال: عمر قبل ما يدخل الغرفة قال جملة واحدة.
قربت منه: قال إيه؟

قال: لو حصل لي حاجه قولوا لأبويا إني ما كنتش لوحدي.
وفجأة، الرجل الغريب قاطعنا: هو قال كمان حاجة.
بصيت له: قال إيه؟

قبل ما ياخدوه من الغرفة، عمر كان .

بإيه؟
بص للقبر وقال: كان بيقول: افتحوا الباب أبويا جاي!
اتجمدت مكاني وأنا بسمع الجملة: افتحوا الباب أبويا جاي!
بصيت للدكتور وقلت بصوت مبحوح: وإنت سبتوه؟
الدكتور نزل عينه للأرض: حاولت أدخل له بس الباب كان مقفول من بره.

مين اللي قفله؟
ما ردش.
الرجل الغريب قال: الشخص اللي كان واقف قدام الباب.
لفيت له بسرعة: مين الشخص ده؟

راجل لابس بالطو أبيض بس مش من دكاترة المستشفى.
الدكتور شهق: مستحيل!
قلت له: إنت بتقول مستحيل ليه؟
فضل ساكت، لحد ما الرجل الغريب مد إيده في جيبه وطلع ورقة قديمة مطوية وفتحها قدامي، كانت صورة من سجل المستشفى، في أعلى الصفحة مكتوب: الغرفة 17 مغلقة بأمر الإدارة، وتحتها مباشرة بخط مختلف: تم فتح الغرفة الساعة 11:40 مساءً.
بصيت في التاريخ، كان هو نفس يوم حادث عمر.
قلت: مين اللي فتحها؟
الرجل الغريب رد: دي المشكلة.. مفيش اسم.
سكتنا كلنا، وفجأة الدكتور قرب من الورقة ووشه اتغير: الخط ده..

إيه؟
قال وهو بيترعش: أنا أعرف الخط ده.

بتاع مين؟
رفع عينه ليا وقال: بتاع مدير المستشفى السابق.
الرجل الغريب ابتسم ابتسامة غريبة: مدير المستشفى السابق مات من تسع سنين.
الدكتور قال: بالظبط.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خافت جاي من بعيد: تك تك تك.. نفس الصوت اللي سمعناه من .
بصينا كلنا ناحية باب ، الصوت اتكرر: تك تك تك.
مسكت المفتاح بقوة، ولأول مرة لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده، كان فيه نقش صغير جدًا على ظهر المفتاح.. مش رقم، كان اسم: اسم ابني (عمر).
الدنيا كلها سكتت بعد ما شفت اسم عمر محفور على المفتاح.
قلت للدكتور: إزاي مفتاح غرفة مقفولة من تسع سنين يبقى مكتوب عليه اسم ابني؟
الدكتور ما ردش.
الرجل الغريب قرب مني وقال: لأن المفتاح ده ما كانش موجود في الغرفة قبل .

إنت متأكد؟

أنا شفته بعيني.

كنت بتعمل إيه هناك؟
سكت لحظة وبعدين قال: كنت بدوّر على عمر.
قلبي اتقبض: ليه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية جاية ناحية المقابر، كلنا لفينا.
عربية سوداء وقفت بعيد ونزل منها راجل كبير في السن، ماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف الدكتور، وقف مكانه.
الدكتور وشه شحب وقال: إنت؟!
الراجل رد بهدوء: أيوه أنا.

مين ده؟
الدكتور ما اتكلمش.
الرجل الكبير بص لي وقال: أنا كنت مدير المستشفى وقت ما الغرفة 17 اتقفلت.
قرب مني وفتح الشنطة، طلع منها ملف أصفر قديم وقال: وأنا الوحيد اللي يقدر يقولك إيه اللي حصل لابنك جوه الغرفة.
مديت إيدي للملف، لكن قبل ما ألمسه قال جملة خلت ينشف في عروقي: بس قبل ما تفتحه لازم تعرف إن عمر ما كان أول شخص يدخل الغرفة 17.

مين كان قبله؟
فتح الملف ببطء، وكانت أول صفحة فيها صورة شاب، وتحت الصورة مكتوب: الحالة رقم 17.. لم يتم العثور على جثمان.
رفعت عيني للرجل فقال: والحالة دي اختفت من المستشفى قبل وفاة عمر ب تسع سنين بالضبط.
الراجل الكبير فضل ماسك الملف وإيده بدأت ترتعش.
قلت له: يعني إيه ما لقوش جثمانه؟!
قال: لأن اللي حصل للحالة رقم 17 هو السبب اللي خلّى الإدارة تقفل المكان كله.

وإيه اللي حصل؟
فتح الصفحة اللي بعدها، كانت فيها ملاحظات مكتوبة بخط اليد لكن أغلبها متشطب، وسط الكلام قدرت أقرأ جملة واحدة: المريض استعاد وعيه بعد إعلان وفاته.
اتنفست بصعوبة: يعني كان فيه حد مات ورجع؟
هز رأسه: مش بالضبط.

أمال إيه؟
بص للدكتور.
الدكتور قال: الحالة دي كانت أول مرة نكتشف فيها إن حد بيغيّر سجلات المرضى.

مين؟
قبل ما يرد، الراجل الكبير قلب صفحة تانية، وكان فيها اسم الطبيب المسؤول عن الغرفة.
قرأت الاسم وسكت، لأن الاسم كان مألوف بشكل مرعب.
قلت: أنا شفت الاسم ده قبل كده.
الدكتور بص لي بسرعة: فين؟

في ورقة حادث عمر.
الرجل الكبير قفل الملف فجاية وقال: يبقى إحنا اتأخرنا.
صرخت: اتأخرنا في إيه؟!
قال: لأن الشخص اللي كان مسؤول عن الغرفة 17 زمان هو نفسه الشخص اللي وقّع على ورقة وفاة عمر.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
وقبل ما أستوعب الكلام، موبايلي رن.. رقم مجهول.
رديت: ألو؟!
ما سمعتش غير نفس الصوت اللي كان بيظهر في أحلامي.. صوت عمر، ضعيف ومتقطع.
قال: يا بابا.. ما تفتحش الغرفة 17.
اتجمدت وقلت: عمر؟!
الصوت رد بسرعة: لأن اللي جواها لسه مستنيك.
سكتُّ تمامًا وأنا لسه ماسك الموبايل: عمر؟! إنت فين؟!
مفيش رد.. بس قبل ما المكالمة تقطع، سمعت صوت خبط قوي وبعده صوت معدني كأنه باب بيتقفل: تك!
وبعدين الخط اتقفل.
صرخت: رد عليّا!
حاولت أتصل تاني، الرقم بقى غير متاح.
الرجل الكبير قرب مني وقال: إنت سمعت إيه؟

صوت عمر كان بيحذرني.
الدكتور بص للرجل الكبير وقال: لازم نمشي من هنا.
مسكته من دراعه: محدش هيمشي! ابني اتدفن من يومين، ولسه في حد بيتصل بيا بصوته، وإنتوا كلكم عارفين حاجات وأنا آخر واحد يعرف!
الرجل الكبير سكت شوية وبعدها قال: طيب نروح المستشفى القديمة.
الدكتور اعترض فورًا: لأ.

هنروح.
وبعد ساعة تقريبًا، وقفنا قدام المبنى القديم.
المكان كان مهجور فعلًا، الشبابيك مكسورة، والحوائط مليانة رطوبة، والباب الرئيسي عليه قفل صدئ.
الرجل الكبير أخرج مفتاحًا من شنطته وفتح الباب.
دخلنا.. الممر كان مظلمًا بشكل يخوف.
مشينا لحد آخر الدور.. وهناك وقفنا.
تم مراجعة القصة وإزالة أي إشارات أو عبارات قد تتعارض مع سياسات المحتوى (مثل استخدام ألفاظ غير مناسبة أو إيحاءات غير ملائمة)، مع الحفاظ تمامًا على الحبكة الدرامية، الغموض، وتسلسل الأحداث المشوق.

إليك النص المُحدّث والجاهز:

على الحائط كان مكتوب:

1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى