قصص قصيرة

ابنى

طلعت المفتاح اللي لقيناه في قبر عمر.

إيدي كانت بتترعش.

دخلته في القفل.

لفّ المفتاح بسهولة.

لكن قبل ما أفتح الباب، سمعت صوتًا من الداخل.

صوت شاب.

ضعيف جدًا.

قال:

ـ اتأخرت يا بابا.

بصيت للدكتور.

الدكتور رجع خطوتين للخلف.

أما أنا…

ففتحت الباب… فتحت الباب.

وكانت الغرفة أوسع مما توقعت، لكن مفيهاش سرير، ولا أجهزة، ولا حتى ترابيزة.

كانت فاضية تمامًا.

إلا من كرسي واحد في المنتصف.

وعلى الكرسي كان فيه جاكت عمر.

نفس الجاكت اللي كان لابسه يوم الحادث.

صرخت:

ـ ده بتاع ابني!

اندفعت ناحية الكرسي، لكن الدكتور مسكني:

ـ استنى!

بصيت له بغضب:

ـ إنت عارف الجاكت ده؟

قال:

ـ أيوه.

ـ كان مع عمر في المستشفى؟

هز رأسه:

ـ لأ.

ـ أمال إزاي هنا؟!

الرجل الكبير قرب من الكرسي، ولمس الجاكت بحذر.

وفجأة وقع منه شيء على الأرض.

مفتاح تاني.

انحنيت وأخدته.

لكن المرة دي مفيش رقم 17.

كان محفور عليه رقم:

23

الدكتور أول ما شافه، رجع للخلف وقال:

ـ مستحيل!

قلت:

ـ إيه رقم 23؟

ما ردش.

الرجل الكبير هو اللي قال:

ـ الغرفة 23 كانت آخر مكان اتنقل له الشخص اللي كان في الغرفة 17 من تسع سنين.

بصيت للجاكت.

مديت إيدي لجيبه.

لقيت ورقة صغيرة.

فتحتها.

وكان مكتوب عليها بخط عمر:

(يا بابا لو وصلت للغرفة دي، متثقش في أي حد كان موجود ليلة الحادث).

وفي اللحظة نفسها…

الباب اتقفل لوحده من ورانا.

وسمعنا صوت قفل المفتاح من الخارج.

ثم جاء صوت رجل من الممر:

ـ عبد السميع، لو عايز تعرف مين الحقيقة، هات المفتاح رقم 23 وتعالى لوحدك!

وقفت أبص للباب المقفول، وبعدها بصيت للدكتور والرجل الكبير.

قلت:

ـ مين اللي بره؟

مفيش رد.

بس صوت الخطوات بدأ يبعد ببطء في الممر.

(خطوة… خطوة… خطوة…)

الدكتور قال بسرعة:

ـ متفتحش الباب!

بصيت له:

ـ وليه؟

قال:

ـ لأن الشخص اللي بره عايزك تخرج لوحدك.

ـ وإنت عرفت منين؟

سكت.

قربت منه وقلت:

ـ واضح إنك عارف أكتر بكتير من اللي قلته.

قبل ما يرد، الرجل الكبير أشار ناحية الحائط:

ـ استنوا…

كان فيه شباك صغير فوق الباب، ومن خلاله ظهر ظل شخص واقف في الممر.

الظل ما اتحركش.

وبعد ثواني، سمعنا صوته:

ـ عبد السميع.

قربت من الباب:

ـ إنت مين؟

قال:

ـ واحد كان المفروض يموت من تسع سنين.

الدكتور اتراجع للخلف، ووشه اتغير تمامًا.

قلت:

ـ افتح الباب!

رد:

ـ مش دلوقتي.

ثم أضاف:

ـ المفتاح رقم 23 هيوصلك للحقيقة، بس الحقيقة مش جوه المستشفى.

وسمعنا صوت خطواته وهو بيبعد.

الرجل الكبير قال:

ـ لازم نخرج من هنا.

لكن فجأة…

المفتاح رقم 23 اللي كان في إيدي بدأ يهتز.

نظرت له بدهشة.

وبعد لحظات، سمعنا صوتًا خافتًا جدًا جاي من داخل الحائط.

(تك… تك… تك…)

وضعت أذني على الحائط.

وكان الصوت أقرب.

كأنه جاي من مكان مخفي خلفه.

ثم سمعت صوت عمر بوضوح:

ـ يا بابا… ورا الحيطة!

حطيت إيدي على الحيطة، وفضلت أتحسس مكان الصوت.

(تك… تك… تك…)

كان الصوت واضح جدًا.

الدكتور قال:

ـ دي حتة مصمتة، مفيش حاجة وراها.

بصيت له وقلت:

ـ يبقى ليه الصوت جاي منها؟

الرجل الكبير قرب، وخبط بإيده على الحائط:

(دَق).

ثم خبط جنبها:

(دَق دَق).

بص لي وقال:

ـ هنا فاضية.

مسكت قطعة حديد كانت مرمية على الأرض، وبدأت أخبط بيها على الحائط.

ضربة…

ضربتين…

لحد ما جزء من المحارة وقع.

ظهر تحته باب حديد صغير، شبه باب خزنة، ومدفون جوه الحائط.

وعليه رقم واحد بس:

23

بصيت للمفتاح اللي في إيدي.

نفس الرقم.

دخلت المفتاح.

لفّ.

لكن الباب ما فتحش.

وفجأة لقينا كتابة محفورة على الحديد:

(لا تفتح إلا إذا كنت متأكد إن عمر مات).

فضلت أبص للجملة.

الدكتور قال:

ـ عبد السميع، متفتحش.

قلت:

ـ أنا دفنت ابني بإيدي.

الرجل الكبير قال بصوت منخفض:

ـ ودي بالضبط المشكلة، لأنك ممكن تكون دفنت شخصًا آخر.

سكتُّ.

حسيت إن نفسي اتقطع.

ـ إنت بتقول إيه؟

ما ردش.

فجأة…

سمعنا صوت جاي من الناحية التانية للباب.

صوت تنفس.

ثم ثلاث خبطات.

(تك… تك… تك…)

وبعدها صوت عمر بوضوح:

ـ يا بابا، أنا هنا!

مديت إيدي ناحية القفل، لكن الدكتور صرخ:

ـ استنى يا عبد السميع!

لفيت له:

ـ إيه تاني؟!

قال وهو بيبص للباب:

ـ لو الصوت اللي ورا الباب صوت عمر فعلًا، يبقى لازم نسأل نفسنا سؤال أهم.

ـ إيه هو؟

قرب مني وقال:

ـ إزاي صوته لسه موجود بعد كل السنين دي؟

بصيت له بصدمة.

وقبل ما أجاوبه، الخبطات رجعت.

(تك… تك… تك…)

وبعدين صوت عمر:

ـ يا بابا، افتح.

دموعي نزلت غصب عني.

حطيت المفتاح في القفل.

الرجل الكبير مسكني من إيدي:

ـ عبد السميع، استنى.

ـ سيبني! لو فتحت الباب، مفيش رجوع.

بصيت له:

ـ أنا بقالي يومين بدور على ابني بين قبر ومستشفى وملفات مزورة، لو هو ورا الباب، حتى لو الدنيا كلها قالتلي ما أفتحش، هفتحه.

لفيت المفتاح.

(طَق!)

القفل اتحرك.

فتحت الباب ببطء…

لكن اللي شوفته خلاني أتجمد.

الغرفة ما كانتش فاضية.

كان فيها سرير قديم، وجنبه جهاز تسجيل صغير.

وعلى السرير كانت موجودة صورة لعمر.

لكن الصورة ما كانتش من يوم الحادث.

كانت متصورة بعد الحادث بساعات.

عمر كان قاعد على السرير، ووشه مرهق، لكن عينيه مفتوحة.

وتحت الصورة ورقة مكتوب عليها:

(الصورة دي اتصورت قبل اختفائه بـ 12 دقيقة).

مسكت الورقة وإيدي بتترعش.

الدكتور قرب من الصورة…

وفجأة شهق وقال:

ـ دي مش غرفة 23.

قلت:

ـ أمال إيه؟

أشار إلى زاوية الصورة.

كان فيه رقم صغير مكتوب على الحائط:

24

ثم اشتغل جهاز التسجيل لوحده.

وسمعنا صوت عمر:

ـ لو أبويا سمع التسجيل ده، يبقى أنا وصلت للغرفة 24.

سكت التسجيل لحظة.

ثم جاء صوت رجل آخر من الخلفية.

صوت الدكتور نفسه!

وهو بيقول:

ـ خدوه قبل ما أبوه يوصل.

الدكتور اتراجع للخلف، ووشه بقى أبيض.

بصيت له ببطء:

ـ إنت كنت هناك.

ما ردش.

فجأة سمعنا صوت باب بيتفتح في آخر الممر.

ثم صوت خطوات بتقرب مننا.

والدكتور همس:

ـ هو رجع.

بصيت له:

ـ مين؟!

ما لحقش يرد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى