
ابنى
الخطوات قربت أكتر.
(خطوة… خطوة… خطوة…)
وفجأة ظهر الراجل الكبير اللي كان معانا قدام باب الغرفة.
كان واقف لوحده في آخر الممر.
لكن المفاجأة إن الراجل الكبير اللي جوه الغرفة كان لسه واقف قدامي!
بصيت ناحية الباب وبعدين للرجل اللي في الممر.
نفس الوجه.
نفس البدلة.
نفس الشنطة.
صرخت:
ـ إنت مين فيكم؟!
الراجل اللي في الممر ابتسم.
أما اللي واقف جنبي، فبدأ وشه يشحب.
قال بصوت مرتعش:
ـ متسمعش كلامه، ده مش أنا.
الراجل اللي في الممر رد:
ـ بل أنا الحقيقي!
الدكتور وقع منه جهاز التسجيل.
وفجأة الجهاز اشتغل من نفسه.
وصوت عمر خرج منه:
ـ يا بابا، الاتنين كدابين.
سكت الجميع.
ثم أضاف عمر:
ـ الحقيقة في الملف اللي تحت السرير.
اندفعت ناحية السرير، ورفعت المرتبة.
لقيت صندوق حديد صغير.
فتحتُه.
كان جواه ملف واحد فقط.
على غلافه صورة عمر.
وتحت الصورة مكتوب:
(الحالة 23 – الاسم الحقيقي: عبد السميع).
اتجمدت مكاني.
بصيت للدكتور، ثم للرجلين.
وقلت:
ـ إيه علاقة اسمي بالغرفة دي؟!
ولا واحد فيهم رد.
فتحت الملف بسرعة، وقلبت أول صفحة.
كان فيها بيانات مكتوبة بخط قديم:
الاسم: عبد السميع
العمر: 41 سنة
الحالة: مراقبة
سبب الدخول: حادث طريق
اتجمدت.
قلت:
ـ أنا عمري ما دخلت المستشفى دي!
الرجل اللي واقف جنبي قال:
ـ عارف.
ـ أمال الملف ده إيه؟!
قلبت الصفحة.
كانت صورة قديمة جدًا لرجل على سرير المستشفى.
الصورة كانت مشوشة، لكن ملامحه…
كانت ملامحي أنا!
رجعت خطوة للخلف.
ـ دي مش صورتي.
الدكتور قال:
ـ لأ، دي صورتك.
بصيت له:
ـ إنت مجنون؟!
قال:
ـ الصورة دي اتاخدت من تسع سنين.
قلت:
ـ وأنا من تسع سنين كنت هنا؟
الرجل الكبير رد:
ـ مش إنت اللي كنت هنا.
سكت لحظة، ثم أضاف:
ـ كان شخصًا يشبهك بشكل مخيف.
قلبت الصفحة التالية، فوجدت جملة واحدة مكتوبة باللون الأحمر:
(المريض يرفض الاعتراف بأنه عبد السميع).
وفي أسفل الصفحة توقيع…
توقيع ابني عمر.
حسيت إن نفسي انقطع.
قلت:
ـ عمر كان يعرف الملف ده؟
الدكتور هز رأسه:
ـ أيوه.
ـ من إمتى؟
قال:
ـ من قبل الحادث بأسبوع.
سألته:
ـ وليه ما قالليش؟
الدكتور بص للأرض وقال:
ـ لأنه اكتشف إن اسمك موجود في ملف أقدم من ميلاد عمر نفسه.
وقبل ما أستوعب كلامه، جهاز التسجيل اشتغل مرة تانية.
صوت عمر خرج واضح:
ـ يا بابا، لو وصلت للملف، متدورش على الشخص اللي قتلك، دور على الشخص اللي عاش مكانك.
ثم انقطع التسجيل.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت المفتاح بيلف في باب الغرفة من الخارج.
الباب بدأ يتفتح ببطء…
وظهر شخص واقف في الممر.
رفعت عيني له…
وكان هو نفس الرجل الموجود في صورتي داخل الملف!
الرجل وقف عند باب الغرفة، وأنا بصيت له وأنا مش قادر أصدق عيني.
كان شبهّي لدرجة مرعبة.
نفس ملامح وشي، نفس شكل العينين، حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبي كانت موجودة!
قلت:
ـ إنت مين؟
ابتسم وقال:
ـ السؤال ده اتسأل من تسع سنين.
الدكتور قرب منه وهو بيترعش:
ـ إحنا كنا فاكرين إنك اختفيت للأبد.
رد عليه:
ـ أنا ما اختفيتش، إنتوا اللي خبّيتوني.
الرجل الكبير حاول يخرج من الغرفة، لكنه وقف قدام الباب:
ـ محدش هيمشي قبل ما عبد السميع يعرف الحقيقة.
بصيت له:
ـ إنت عارفه؟
قال:
ـ أكتر مما تتخيل.
الرجل الغريب مد إيده ناحيتي، وفي إيده ظرف قديم:
ـ ده كان مع عمر ليلة الحادث.
أخدت الظرف وفتحته.
جواه صورة واحدة.
صورة…
لي أنا وعمر واقفين قدام البيت.
لكن الغريب إن الصورة كانت متصورة بعد يوم الحادث!
وتحتها مكتوب:
(الأب لم يكن هو نفسه الرجل الذي دفن ابنه).
حسيت إن دماغي وقفت.
رفعت عيني للرجل:
ـ يعني إيه؟
قال بهدوء:
ـ عمر اكتشف الحقيقة قبل موته.
ـ حقيقة إيه؟
ـ إنك أنت كمان كنت ضحية، وإن الشخص اللي عايش مكانك من سنين مش هو أنت.
وقبل ما أقدر أتكلم، جهاز التسجيل اشتغل للمرة الأخيرة.
وصوت عمر قال:
(يا بابا لو سمعت الكلام ده، بص في المراية).
بصيت ناحية المرآة المعلقة على الحائط.
وفجأة لاحظت حاجة ما كنتش واخد بالي منها طوال الوقت:
انعكاسي كان واقف مكاني، لكن الرجل اللي شبهي كان واقف ورايا في المرآة، رغم إنه واقف قدامي!
وقبل ما عبد السميع يقدر يستوعب الجملة، المسجل طلع منه صوت تشويش عالي، وبعده صوت عمر رجع تاني:
ـ افتكر أول دقيقة… أول دقيقة قبل ما العربية تتحرك.
عبد السميع غمّض عينيه.
وفجأة صورة قديمة ضربت في دماغه.
كان واقف قدام العربية.
عمر جنبه.
وكان فيه راجل تالت واقف بعيد.
لكن وشه ماكانش واضح.
عبد السميع فتح عينيه بسرعة وقال:
ـ أنا فاكر!
الرجل اللي شبهه ابتسم من غير ما يتكلم.
عبد السميع قرب من المراية وقال:
ـ الراجل ده كان موجود يوم الحادثة!
المسجل اشتغل مرة تانية، وصوت عمر قال:
ـ أيوه يا بابا، بس مش هو اللي لازم تخاف منه.
عبد السميع اتجمد:
ـ أمال مين؟
ثواني من الصمت، وبعدين عمر قال:
ـ الشخص اللي لازم تخاف منه كان واقف جنبك قبل الحادثة بدقيقة.
عبد السميع بدأ يفتش في جيوبه بعصبية، كأنه بيحاول يلاقي أي دليل.
وفجأة افتكر حاجة.
قبل ما العربية تتحرك يوم الحادثة، عمر كان ماسك موبايله، وقال له:
ـ بابا، استنى، لازم أوريك حاجة.
لكن عبد السميع وقتها كان مستعجل، قال له:
ـ بعدين يا عمر.
عمر بص له نظرة غريبة، وحط الموبايل في جيبه، ثم ركب العربية.
عبد السميع فتح عينيه:
ـ الموبايل!
صرخ وهو بيجري ناحية الباب:
ـ موبايل عمر كان معايا بعد الحادثة!
الطبيب بص له بصدمة:
ـ إزاي؟
عبد السميع رد:
ـ أنا فاكر إن الشرطة سلّمتهولي، لما رجعت البيت، الموبايل اختفى!
الرجل اللي شبه عبد السميع لأول مرة ملامحه اتغيرت، وقال بهدوء:
ـ لأنه ما اختفاش.
ـ أمال فين؟
مد الرجل إيده داخل معطفه، وطلع موبايل قديم متكسر الشاشة، وحطه قدام عبد السميع:
ـ ده موبايل عمر.
وفي اللحظة دي وصل إشعار على الشاشة.
رسالة واحدة.
من رقم غير مسجل.
ومكتوب فيها:
(لو أبوك افتكر الحقيقة، ما تخلوهوش يوصل للبيت).
بص عبد السميع للمراية تاني، وحسّ إن الدم اتجمد في عروقه.
الراجل اللي واقف وراه ماكانش مجرد شبهه…
كان هو نفسه!
نفس شكل الوجه، نفس الشيب الخفيف عند الصدغ، وحتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب.
عبد السميع لف بسرعة.
ماكانش فيه حد.
لكن لما رجع يبص للمراية… الراجل كان لسه موجود!
رفع إيده ببطء، وأشار ناحية رقبة عبد السميع، وقال:
ـ بص كويس، العلامة دي مش موجودة عندك من زمان.
عبد السميع لمس رقبته.
وفعلًا، كان فيه أثر رفيع جدًا، زي أثر جرح قديم، عمره ما افتكره.
صرخ:
ـ إنت مين؟!
جاله صوت الرجل من وراه، رغم إن المكان كان فاضي:
ـ أنا اللي كان المفروض يرجع بيتك من تسع سنين.
عبد السميع اتراجع، وخبط في الترابيزة.
وقعت منها صورة قديمة.
انحنى بسرعة ورفعها.
كانت صورة لعمر وهو طفل، واقف جنب أبوه قدام البيت.
لكن الغريب إن عبد السميع في الصورة كان لابس نفس الساعة اللي في إيده دلوقتي!
قلب الصورة.
كان مكتوب عليها بخط عمر:
(الصورة دي اتصورت قبل الحادثة بأيام، لكن اللي فيها مش أبويا).
عبد السميع حس إن رجليه ماعادوش شايلينه.
وفجأة سمع صوت المسجل يشتغل من نفسه، وصوت عمر خرج واضح:
ـ يا بابا لو وصلت للنقطة دي، يبقى هما عرفوا إنك بدأت تفتكر.
سكت التسجيل ثانيتين، ثم قال عمر:
ـ أول حاجة لازم تعرفها إن ذاكرتك مش كاملة.
عبد السميع قرب من المسجل وهو بيرتعش:
ـ تفتكر إيه يا عمر؟!
وجاء الرد من التسجيل:





