
ليله العيد
أن أثبت لأحمد أنني لست عديمة الفائدة. لكنني فهمت الآن أنني لم أعد بحاجة لإثبات أي شيء له. أنا فقط عدت إلى مكاني. في المساء، اتصل أحمد. شيماء. أيوه؟ عايز أسألك سؤال. اتفضل.
إنتِ كنتِ في اجتماع مجموعة النور؟ سكت لحظة. أيوه. وإنتِ اللي ماسكة المشروع؟ أيوه. سمعت زفيره. يبقى لم يكمل. قلت أيوه. الشركة اختارتكم عشانك؟ القرار قرارهم. بس إنتِ كنتِ السبب؟ ممكن. سكت. ثم قال يعني أنا طول السنين دي كنت متجوز واحدة تقدر تعمل كل ده قلت وإنت ما كنتش شايفها.
أيوه. قلت دي مش مشكلتي دلوقتي. سألني طب إنتِ هتعملي إيه؟ هشتغل. وبعد الشغل؟ هرجع لبنتي. والبيت؟ هنشوف. وإحنا؟ سكت قليلًا. ثم قلت لو هنسأل عن إحنا، لازم الأول نسأل نفسنا إحنا عايزين إيه. مرت الشهور التالية بشكل مختلف تمامًا.
لم أعد أعود من العمل لأجد نفسي مسؤولة عن كل شيء. يوم السبت كان أحمد يأخذ ليان للتمرين. وفي اليوم الذي كنت أعمل فيه لوقت متأخر، كان هو الذي يطبخ. لم يصبح طباخًا ماهرًا. بالعكس. في أول مرة عمل فيها المكرونة، احترقت. ضحكت عندما رأيتها. قال متضحكيش.
قلت مش بضحك عليك. أمال؟ بضحك على إنك أخيرًا عرفت إن الموضوع مش سهل. ضحك. أهو عرفت. الحاجة سعاد بدأت تتعلم تعمل بعض حاجاتها بنفسها. مريم لم تعد ترمي ملابس ابنها أمام باب غرفتي. والحاج محمود صار يصر على أن يساعد في البيت.
لكن الأهم أن ليان لم تعد تنظر لي بعينين مليئتين بالشفقة عندما يتكلم أحد عن عملي. بالعكس. كانت تقول لصديقاتها ماما مديرة مشروعات. وفي أحد الأيام، جاءت من المدرسة وهي تحمل ورقة. ماما! نعم؟ المدرسة عايزة حد يتكلم عن شغله قدام الفصل. وإنتِ رشحتيني؟ هزت رأسها بحماس.
قلت لهم إن ماما شغالة في شركة كبيرة. ضحكت. وعايزاني أروح؟ طبعًا! حضنتها. وفي اليوم المحدد، وقفت أمام فصلها. شرحت للأطفال ببساطة أن الشغل مش معناه بس إن الشخص يقبض مرتب. وإن كل إنسان عنده قيمة. وإن البيت نفسه شغل.
وإن تربية الأطفال شغل. وإن رعاية الآخرين شغل. لكن أهم حاجة إن الإنسان لازم يعرف قيمة نفسه حتى لو اللي حواليه مش شايفينها. بعد ما خلصت، رفعت ليان إيدها. ماما؟ نعم؟ هو بابا كان غلطان لما قال إنك مبتعمليش حاجة؟
ابتسمت. بصيت إلى أحمد، الذي كان يقف عند الباب. قال أيوه يا ليان. ثم اقترب. بابا كان غلطان جدًا. ضحكت ليان. طب اعتذرت لماما؟ نظر لي أحمد. ثم قال كتير.
قالت يبقى اعتذر تاني. ضحكت أنا. وضحك هو. بعد سنة تقريبًا، جاء عيد آخر. نفس المائدة. لكن كل شيء كان مختلفًا. كانت الأطباق أمامنا. ليان بجواري. الحاجة سعاد أمامها. مريم
وابنها. الحاج محمود. وأحمد. بعد العشاء، مد أحمد يده إلى جواره. وأخرج مجموعة من المظاريف. نظرت إليه. ابتسم. قال المرة دي أنا مش هوزع عيديات. ثم أخرج ظرفًا صغيرًا. وضعه أمامي. نظرت إليه. قلت إيه ده؟ افتحي.
فتحته. كان بداخله شيك. نظرت إلى الرقم. ثم رفعت عيني إليه. إيه ده؟ قال جزء من مكافأة المشروع. وإنت بتديني فلوس ليه؟ ابتسم. عشان دي فلوسك. إنت مالكش دعوة بمكافأتي. عارف. ثم أخرج ورقة صغيرة. كانت مكتوبة بخط يده. قرأتها. لشيماء مش مكافأة على شغل البيت.
ومش تعويض عن السنين اللي فاتت. دي بس رسالة واحدة أنا أخيرًا فهمت إن قيمتك عمرها ما كانت مرتبطة بمرتب. سكت. ثم قال وفي حاجة تانية. أخرج من جيبه ظرفًا أحمر. وضعه أمامي. فتحته. كان بداخله مبلغ كبير. نظرت إليه. ضحك. المرة دي مش جنيه. ابتسمت. كام؟
قال المبلغ ده ليكي تعملي بيه اللي إنتِ عايزاه. ثم مد يده وأخرج قرشًا قديمًا. نفس القرش. اللي كان موجود في الظرف الأول. وضعه أمامي. وده سكت. ده عايزك تحتفظي بيه. نظرت إلى القرش. ليه؟
قال عشان كل ما أشوفه، أفتكر إن أغبى حاجة عملتها في حياتي كانت إني قيمت مراتي بقرش. ساد الصمت. الحاجة سعاد مسحت دمعة من عينها. أما مريم فبصت في الأرض. والحاج محمود قال خلاص يا أحمد. اعتذرت بما فيه الكفاية. ضحكت.
ثم أمسكت القرش. لكنني لم أضعه في جيبي. أخرجت محفظتي. وضعت القرش بداخلها. وقلت هحتفظ بيه. ابتسم. بجد؟ قلت أيوه. ليه؟ بصيت إليه. عشان كل ما أشوفه، أفتكر اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن قيمتي محتاجة حد يصدق فيها.
ثم قفلت المحفظة. دلوقتي عرفت إنها مش محتاجة غير إني أنا أصدق فيها. بعد العشاء، خرجت إلى الشرفة. كانت ليان تلعب في الصالة. وأحمد يساعد والده في ترتيب السفرة. سمعت صوته ينادي شيماء، عايزة شاي؟ ضحكت. آه. بس أنا مش بعرف أعمله زيك.
قلت اعمله بطريقتك. قال حاضر. وقفت أمام الشرفة. الهواء كان هاديًا. وفكرت في اللي حصل من سنة. في الظرف. في القرش. في الضحك. في أول يوم رجعت فيه للشغل. في أول اجتماع. في العقد. وفي كل مرة كنت أظن أنني أقاتل من أجل أن أثبت أنني لست ضعيفة.
لكن الحقيقة كانت أبسط. أنا لم أكن أحتاج أن أثبت لهم أنني قوية. كنت فقط بحاجة أن أتوقف عن التصرف كأنني ضعيفة. بعد أيام، كنت في الشركة عندما دخل الأستاذ كمال مكتبي. قال عندي خبر. إيه؟ مجموعة النور عايزينك تمسكي مشروع جديد. ابتسمت.
مشروع أكبر؟ أكبر بكتير. ضحكت. يبقى نبدأ. وضع الملف أمامي. ثم قال بالمناسبة، أستاذ سامح سأل عنك. ليه؟ قال إن عنده مشروع تاني وعايزك فيه. نظرت إلى الملف. ثم إلى بطاقة العمل أمامي. شيماء أحمد مديرة مشروعات. لم أعد أراها كإثبات لأي شيء. كانت مجرد حقيقة. حقيقة أنني رجعت.
وأنني لم أعد المرأة التي توقفت حياتها يوم قررت تهتم ببيتها. أنا كنت موجودة طوال الوقت. فقط كنت محتاجة أفتكر نفسي. في نفس الليلة، رجعت البيت. وجدت أحمد في المطبخ. كان يحاول يعمل العشاء. وقفت على الباب. بص لي. متضحكيش. ضحكت. مش بضحك. إنتِ بتضحكي. أصل المنظر جديد.
رفع المعلقة. طب تعالي ساعديني. هززت رأسي. لأ. استغرب. ليه؟ قلت أنا خلصت شغلي النهارده. ضحك. خلاص، أنا هكمل. جلست على السفرة. بعد دقائق، جاء بطبق المكرونة. وضعت شوكة في فمي. مضغت. ثم قلت بجدية أحسن من المرة اللي فاتت. ابتسم بفخر. يعني اتطورت؟
شوية. ضحك. ثم جلس أمامي. قال شيماء؟ نعم؟ أنا عايز أقولك حاجة. قول. أنا مش عايزك ترجعي للست اللي كنتِ عليها. نظرت إليه. وأنا كمان. قال عايزك تفضلي زي ما إنتِ دلوقتي. حتى لو بقيتي بتكسبي أكتر مني؟
ابتسمت. خصوصًا لو بقيت بكسب أكتر منك. ضحك. خلاص اتفقنا. رفعت كوب الماء. اتفقنا. بعدها بشهور، كنت واقفة على منصة صغيرة في إحدى فعاليات الشركة، أستلم جائزة عن مشروع نجح بشكل كبير. الأستاذ كمال ناداني. القاعة كلها صفقت. وأنا طلعت. وفي الصفوف الأخيرة، كان أحمد وليان قاعدين.
ليان كانت بتصفق بكل قوتها. وأحمد كان واقف. يصفق لي. لكن هذه المرة لم يكن يصفق لأنه يريد
أن يثبت للناس أنه متزوج امرأة ناجحة. كان يصفق لأنه أخيرًا فهم. أن الشخص الذي أمامه لم يكن يحتاج يومًا إلى إذن كي يكون ناجحًا.
عندما نزلت من على المسرح، جاءت ليان تجري نحوي. ماما! حضنتها. ثم قالت بابا قال إنك أشطر واحدة في المكان. بصيت لأحمد. ابتسم. قلت لا يا حبيبتي. بابا مش لازم يقول إني أشطر واحدة. أنا بس بعمل اللي بحبه.
حضنتني ليان أكثر. وفي اللحظة دي، افتكرت القرش القديم. القرش اللي كان بالنسبة لهم مجرد نكتة. أما بالنسبة لي فكان ذكرى. ذكرى اليوم اللي انتهت فيه حياة قديمة. وبدأت حياة جديدة. حياة ما بقاش فيها سؤال إنتِ بتجيبي كام؟
لأن السؤال الحقيقي بقى إنتِ مرتاحة مع نفسك؟ وأنا لأول مرة منذ سنوات كانت إجابتي أيوه. ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أكبر تغيير حصل في حياتي، ما بقولش إني رجعت للشغل. ولا بقول إني بقيت مديرة مشروعات.
ولا بقول إن الشركة اللي كنت بحلم بيها بقت واحدة من أهم عملائنا. بقول حاجة واحدة بس في ليلة العيد، جوزي اداني جنيه واحد وقال لي دي قيمتك. وفي اليوم اللي بعده، خرجت من البيت وأنا مش عارفة حياتي هتروح فين.
لكن بعد سنة، فهمت إن الجنيه ده ما كانش قيمتي. كان ثمن آخر لحظة قبل ما أعرف قيمتي الحقيقية. والحقيقة؟ أنا ما خسرتش بيت لما بطلت أخدمه. أنا بس بطلت أخسر نفسي عشانه.





